الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣٣٣الإباضية في موكب التاريخ
331
الإباضية في ليبيا (2)
إقبالا وإدبارا، فإذا وجد المؤمن في نفسه إقبالا اغتنم واجتهد، وإذا لم يجد في نفسه تمسك بالفرائض وأداها حَتَّى ينشط لئلا يمل. وقد تكلف أنواعا من العبادة لا يقوى عليها غيره، فقد يجعل ليلة كاملة في ركعة واحدة، وقد يجعلها في سجدة واحدة.
قد يبتسم بعض الناس ساخرين وهم يقرأون هذه الكلمات، ويقولون في أنفسهم: ولماذا هذا العذاب، والله لم يكلف البشر إلا ما يطيقون؟ والجواب على هذه الابتسامة الساخرة، تعرفه من أحوال أصحاب الإرادة القوية الذين يخضعون قوى أجسامهم لإرادتهم، فهم لا يجدون من المشقة إلا ما تجده نحن من الأحوال العادية؛ ذلك لأَنَّهُم روضوا أجسامهم وأخضعوها لمطالب أرواحهم، ثُمَّ إن في أخبار هذا الشيخ نفسه الجواب على هذا التساؤل، فإن الرجل الذي تقوى عنده الإرادة هذه القوة فيتغلب على مطالب الجسد هذا التغلب، ويرتحل بين ليبيا والقيروان وبين ليبيا وفزان عددًا غير قليل من المرات لأجل طلب العلم ويقع عليه معتدون آئمون فيجرحونه سبعة عشر جر. حاء لها في الصحراء يصبر الصحراء حتّى تندمل وتبرأ دون غذاء أو علاج ثُمَّ يواصل بعد هذا العناء كفاحه من أجل العلم.
إن رجلا يملك هذه الروح حقيق أن يأتي بالأعاجيب، ونحن لو تأملنا حديثه مع زوجه الوفية لاستطعنا أن نعرف كيف تربي النفوس، وكيف يغنم المؤمن أوقاته كلها في الصلاح، فعندما يجد النفس عازفة عن العمل مدبرة عن القيام بأعمال النفل يرجع إلى البيت ليقضى حقوق الأسرة، فيحادث الزوجة ويداعب الأطفال، إنَّه يؤدي واجبات الزوج والأب، وعندما تأذن ساعة الكفاح لنشر العلم بين الطلاب، وإصدار الفتاوى، وفصل المشاكل بين الناس، ينطلق إلى هذا الميدان وكله قوة وعزم، إنَّه يؤدي حقوق المجتمع والأمة .. وعندما روحه الزكية إلى مناجاة ربه ينطلق إلى المسجد فيؤدي واجبات المؤمن التقي، تلك الواجبات التي درب عليها نفسه، فكانت فيه ملكة لا يحس معها بالتعب أو السأم، وهو ساجد الله يسبح بحمده ويقدس له .. فإذا قضى حق، ربه واطمأنت نفسه انطلق إلى الكفاح الكفاح من أجل الأمة، أو الكفاح من أجل الأسرة.
تهفوا