الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣٣٤الإباضية في موكب التاريخ
332
الإباضية في ليبيا (2)
أبو القاسم البغطوري)
بغطُورَة" مدينة منبسطة عَلَى مرتفع سهل من أراضي الحرابة اليوم بين "جريجن" و"تمنكرت" بـ"قيقيلة"، وفي هذه المدينة التي لم يبق منها إلا أطلال ـها إلا أطلال مساجد تشهد للتاريخ ما كان للسلف نشأ أبو القاسم سدرات بن الحسن البغطوري في بيئة مؤمنة، عالمة بدين الله، عاملة به حريصة على الاغتراف من مناهل العلم الصافية.
قال فيه أبو العباس: بقية، الحافظين واعتماد أهل الدنيا والدين، بل كان من الراسخين".
درس في مدرسة أبي ذر آبان بن وَسيم في "وِيغُو"، ومنه تلقى العلم وفيها تخرج، ثُمَّ كون مدرسته في هذه المدينة المنبسطة عَلَى ذلك المرتفع الفسيح، الذي تنحدر منه شعاب تزدان بأشجار الزيتون والنخيل.
صار أبو القاسم مرجع الفتوى والتدريس بعد وقعة مانو التي أكلت رجال العلم وأبطال الكفاح، أما هو فلم يحضر تلك الحرب الضروس لكبر سنه، وكان قد تجاوز المائة حينئذ، وبارك الله في عمره فعاش ما لا يقل عن مائة وثلاثين سنة، ضعف فيها جسمه ووهن، عظمه ولكن عقله النير كان يزداد استنارة، وعلمه الغزير
يزداد غزارة ولسانه الفصيح يزداد طلاقة .. قضى هذا العمر الطويل في نشـ وبث المعرفة وتهذيب النشء وتعليمهم سيرة السلف الصالحين. كان مرجعا في جميع فنون العلم، وقد كافح بعد وقعة مانو كفاح الأبطال لتكوين جيل جديد يتحلى بما يتحلى به أسلافه من خلق و علم ودين، ولم تمض السنوات الثلاثون الأخيرة من عمره المبارك حتّى كان له شباب لا يقلون عمن سبقهم علما وخلقا وشجاعة، وتبوؤوا الأماكن الخالية التي كان يشغلها أبطال أكلتهم حرب مانو المسعورة.
(1) ذكره أبو زكرياء في الطبقة السادسة: فهو من علماء النصف الثاني للقرن الثالث.