الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٣٣٥

الإباضية في موكب التاريخ

333

الإباضية في ليبيا (2)

ولحاجة الناس إليه لدروس الوعظ والإرشاد كانوا ينقلونه من مسجد إلى مسجد محمولا، ولا تزال إلى اليوم أخبار تتناقلها ألسنة العوام عن شيخ ينقل من مسجد إلى مسجد، وإن كانوا لا يعرفون الشيخ ولا العصر الذي عاش فيه.

قال له طلابه يومًا أنكتب عنك ما سمعنا؟ فقال: "اكتبوا ولو بأقلام النح صُمَّت أذن نسيت ما سمعت". لقد كان لا يمل من التعليم ولا يمل من رواية السير والتاريخ كما كان في عهد الدراسة لا يعرف للتعب معنى، ولا يذوق للنوم طعما إلا غرارا في الأوقات التي يأوي فيها الناس إلى النوم، ويشبعون تقلبا في المضاجع. كان حريصًا أن لا تفوته دروس أستاذه أبان حَتَّى دروس الوعظ والإرشاد التي يلقيها ذلك العلامة الكبير في المسجد العامر، فكان يقطع المسافة الطويلة بين "بغطورة" و"ويغو" كُلّ ليلة، فيحضر صلاة العشاء الآخرة، يستمع إلى الدرس العام الذي يلقى في المسجد بعد الصلاة، وَلَمْ يحدث أن تأخر عن صلاة الجماعة وحضور هذا الدرس العام إلا مَرَّةً واحدة، سبقه فيها شيخه إلى المساجد، ولم تتكرر تلك الحادثة قط حَتَّى تَخرج البغطوري واشتغل بالتدريس. إن المسافة بين "بغطورة" و"ويغُو" لا تقل عن ستة أميال، ومع ذلك فإن البغطوري عندما التحق بهذه المدرسة لم ينقطع عن الدراسة، ولم يتكاءَده تسلق الجبال وهبوط الأودية حَتَّى بلغ الغاية وظفر بالمراد. وهذه الإرادة القوية والعزيمة الصادقة التي تحمل النفس عَلَى ما تكره هي نفس الإرادة التي لا تخاف لومة لائم في دين الله، ولا تهادن عدوا من ولا تهادن عدوا من أعداء الله مهما

كانت الظروف والملابسات. دعاه رجل من أهل "تمنكرت ليبيت عنده، فكان يسير معه حتّى لقي يهوديا، فقال له التمنكرتي: "مرحبا مرحبا، وأظهر له الفرح والبشاشة فغضب البغطوري من الترحيب بعدو الله. وقال لصاحبه: "لا رحب الله بك ولا به"، ثُمَّ قفل راجعا.