الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣٣٧الإباضية في موكب التاريخ
335
الإباضية في ليبيا (2)
فرسُطَاء"
هي
أبو يحيى الفرسطائي
(1)
اليوم قرية صغيرة ناتئة في صدر جبل عال كأنها ثدي عملاق،
وقد كانت من قبل مدينة كبيرة تتناثر منازلها عَلَى صدر الجبل وجوانبه وقمته، وفي هذه القرية التي يهدهدها هذا الجبل الشامخ في حب وحنان، نشاً أبو يحيى زكرياء بن أبي قاسم يونس الفرسطائي عَلَى ما نشأ عليه زملاؤه من أهل هذه القرية العامرة بالإيمان مُحبًّا للعلم، مُجتهدا فيه، ولَمَّا أخذ مبادئ العلم عن شيوخ مدينته ورغب أن يتم دراسته، ذهب إلى عاصمة الجبل شروس ليلتحق بالمدرسة العظيمة مدرسة ابن ماطوس، ولكن العاصمة الكبرى ضاقت به فقد امتلأت الأقسام الداخلية التابعة للمدرسة، حَتَّى لَم يبق بها مكان، ورجع إلى أهل المدينة فلم يجد ممكنا في أكبر مدينة بجبل نفوسة؛ لأن جميع المنازل غصت بالطلاب الذين يقبلون على اغتراف العلم من منبعه العذب، وحار الطالب الذكي في مصيره، وذهب إلى ابن ماطوس يستشيره في أمره، فأسف الشيخ الكبير أن يحرم هذا الطالب النجيب من الدراسة في مدرسته؛ لأنَّهُ لَم يجد مسكنا في مدينة تحتوي على آلاف المنازل، وقال له ناصحا: إِنِّي أدلك عَلَى من لو عرفه الناس لتزاحموا على بابه كما تزاحموا على باب أبي عبيدة في البصرة!! عليك بأبي هارون الجلالمي! ". والتحق الطالب الذكي بهذه المدرسة التي لم تزل ناشئة لم يكثر عليها الإقبال، وَلَكِنَّها ما فتئت أن أصبحت من أعظم المدارس التي قدمت للأمة المسلمة الخير الكثير، وصدقت فراسة ابن ماطوس، فتزاحم الناس على باب أبي هارون الجلالي، كما تزاحموا على أبي عبيدة، وكما تزاحموا على ابن ماطوس، وكما تزاحموا على منابع العلم في كل مكان.
1) ذكره أبو زكرياء في الطبقة السابعة: فهو من علماء النصف الأول للقرن الرابع.