الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٣٣٨

الإباضية في موكب التاريخ

336

الإباضية في ليبيا (2)

درس أبو يحيى في هذه المدرسة، ومنها تخرج وكون مدرسته في القرية الجميلة القائمة على صدر الجبل، وفي هذه المدرسة تخرج عدد غير قليل من العلماء الأعلام من بينهم أبو محمد خصيب بن إبراهيم.

كان أبو يحيى قويا في دينه قويا في، علمه قويا في خلقه قويا في بدنه، لقد أضفى عليه المولى نعمة القوة في كُلّ أحواله، وكان دائم الكفاح لا يمل ولا يفتر، يعمل في حقوله ومزارعه كما يعمل الفلاحون المخلصون لمهنتهم، ويعمل في مدرسته كما يعمل المدرسون المخلصون لرسالتهم ويعمل لربه كما يعمل المخلصون في عبادتهم. وكان داعية خير وهدى لا يكف ولا يمل عن الدعوة إلى الله، فإن كان بين المسلمين دعاهم إلى فهم دين الله والتمسك بهدي محمد وهدي أصحابه، وسيرة الصالحين من المؤمنين، وإن كان بين أقوام لا يؤمنون بالله دعاهم إلى الإيمان وحبب إليهم الإسلام.

سافر يوما إلى بعض بلاد السودان وكانوا وثنيين - فلم يزل يدعوهم إلى الإسلام حتى بلغ أمره إلى ملكهم فاستدعاه ولَمَّا ورد أبو يحيى على الملك ألفاه ناحل الجسم، ضعيف القوة، فسأله أبو يحيى عما به؟ فقال الملك: إن هذا من خوف الموت، فدعاه أبو يحيى إلى الإيمان بالله وأخبره بالجنة والنار، ووصف له أحوال المؤمنين في دار الخلود وما أعد الله لَهُم من خير، ولكن الملك ارتاب في أوّل الأمر، وقال له: "لو صح عندك ما تقول ما بلغت إلينا في طلب الدنيا"، فلم يزل أبو يحيى يذكره آلاء الله ونعمه، ويذكر له أن الله دعا المؤمنين إلى الضرب في الأرض، والسير في الآفاق، والنيل من طيبات الرزق، حتّى أسلم وحسن إسلامه.

والمؤمن الصادق لا يكف عن الدعوة إلى الله في أي مجتمع كان، فلا يفر بنفسه عن الناس، لأنه لا يفر إلا الضعيف الذي يخاف عَلَى نفسه، والضعيف لا يستطيع أن يؤدي رسالة، أو يبلغ دعوة.