الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣٣٩الإباضية في موكب التاريخ
337
الإباضية في ليبيا (2)
(1)
أبو مُحمّد النَّمَصْصي)
"تمصمص" قرية تقع جنوب "طمزين قريبا منها، وقد عفى عليها الزمن وامحت أطلالها وأنقاضها، وَلَمْ يُخلدها التاريخ إلا بنسبة عدد من الأعلام الذين أنجبتهم.
نشأ أبو محمد خصيب بن إبراهيم التمصمصي في هذه القرية التي تقع على منبسط من الأرض، تحيط بها غابات كثيفة من شجر الزيتون والتين وفيها تلقى المبادئ الأولى من دراسته، ثُمَّ التحق بمدرسة أبي يحيى الفرسطائي، ولكنَّه كان يحس في نفسه ظمأ إلى مزيد من المعرفة، فذهب إلى "لالوت" موضع الأشياخ والعلم، كما يقول أبو العباس، والتحق بمدرسة أبي الربيع سليمان بن هارون اللالوتي فأتم هناك دراسته وتخرج منها علما من أعلام الإسلام،
و مرجعا من مراجع الثقافة، وسنداً قويًا للمؤمنين في الاهتداء والهداية إلى طريق الله القويم. بعد أن تخرج رجع إلى بلده "تمصمص"، وهناك أسس مدرسته الشهيرة التي تخرج منها فطاحل العلماء، وحسبها أنها المدرسة التي درست فيها العالمة البطلة أم ماطوس، التي تغلبت على إرادة البيئة من أجل طلب العلم، والتحقت بهذه المدرسة العظيمة، فكانت تحضر إليها من "جَارْ إصْراً" والمسافة بين المحلين ليست قريبة، ثُمَّ أصبحت ممثلة للمرأة في المجالس العلمية التي يعقدها المشايخ للمناقشة والدراسة في مختلف المجال، فلا تغيب عنها سواء انعقدت في "جناوَن" أو في "تَنْدُوزِيغ"، أو في غيرها من الأماكن. كافح أبو محمد من أجل العلم دارسا ومدرسًا بكُلِّ ما أوتي من جهد وقوة وإخلاص، وكان كريما يبذل ما يصل إلى كفه من مال، فقد كان لا يجعل للدنيا حسابا، ولا يعرف للمال قدرًا، ومهما دخل يديه من ثروة سواء كانت هذه الثروة نقوداً أو كانت ماشية أو كانت محاصيل زراعية فَإنَّها لن تبقى عنده أكثر من سنة، وقد يدخل يده في بعض السنوات ألف مودى (2) من الحبوب، فما تَتِمُّ السنة حَتَّى ينفق هذه الثروة الطائلة من الحبوب ولا يبقى عنده شيء من المال، وكثيرًا ما عاتبه ولده وعاتبته زوجته على هذا الإنفاق، وَلَكنَّهُ لَم يكن
(1) ذكره أبو زكرياء في الطبقة السابعة: فهو من علماء النصف الأول للقرن الرابع.
المودى اثنتا عشرة، ويبة والويبة تزن حوالى 6 كيلو غرام.