الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٣٤٠

الإباضية في موكب التاريخ

338

الإباضية في ليبيا (2)

ليستمع إلى كلامهما، فإن من طبع عَلَى خلق الكرم وتعود الإنفاق لا يملك نفسه عن البذل عندما تتهيأ ظروف المعروف. وكم طالبه ولده أن يشتري الأملاك الثابتة حَتَّى يخلفها له كما يخلفها الآباء لأبنائهم، ولكن أبا مُحمَّد لم يستجب لهذا الطلب الذي لا يوافق طبعه، ولا يجري على خلقه، قال له ولده يوما: "إنك لست بكيس يا أبتاه! ". فأجابه الشيخ: "الكياسة يا بني عدوة الإسلام"، ومعروف أن الكياسة المقصودة في هذا الحوار تعني الشح والتقتير والإدخار وتأثيل الأموال.

عاش أبو مُحمَّد فقيرًا؛ لأنَّه ينفق جميع الأموال التي تصل يده في وجوه البر، وعندما كبر وامتدت به الحياة، وضعف عن الكسب، احتاج إلى المساعدة. لقي رجل من الذين لا يغفلون عن الأمر بالمعروف أبا عبد الله محمد بن جنون كاتب أبي

الفقر

زكريا فقص عليه أخبار أبي مُحمَّد التمصمصي والحالة المؤسفة التي وصل إليها من الفق والضعف والشيخوخة، فأسف أبو عبد الله وقال: "إنا لله وإنا إليه راجعون!، لي مال ومثل هذا الشيخ الذي هو جرثومة من جراثيم الإسلام تضل إليه الضيعة"، ثُمَّ وضع يده في جيبه فوجد فيه واحدًا وعشرين ديناراً فأعطاها للرجل وطلب منه أن ينفقها على الشيخ، فإذا

نفذت رجع إليه، ورجاه أن لا يخبر أحدا بحاجة الشيخ، ولا بمساعدة أبي عبد الله له. وذهب الرجل بهدية الصديق إلى أبي مُحمَّد، فلم ينس أبو مُحمَّد طبعه الذي دأب عليه منذ عرف الخير والشر، ولذلك فما تسلم المبلغ حَتَّى أخذ منه دينارين أنفقهما في سبيل الله، وما أتم الباقي من المبلغ حتى توفاه الله إليه.

وكان أبو عبد الله محمد بن جنون ذا علم وفصاحة وبراعة في النقاش، لا يقوى على نقاشه أحد من العلماء، ولكنَّه إذا حضر مجلس أبي مُحمَّد خصيب التمصمصي وقف منه الأستاذ، لا يرفع إليه بصره، ولا يناقشه في سؤال، وهذا الموقف من أبي

موقف التلميذ من عبد الله يَدلُّ على مكانة الشيخ الكبرى. درس عَلَى أبي مُحمَّد خصيب عدد غير قليل من كبار العلماء، ومن أنجبهم أبو زكرياء يحيى بن سفيان اللالوتي، أما فتاواه ومواعظه وتوجيهاته وأقواله في الفقه فقد بلغت كُلّ مكان، وامتلأت بها بطون الكتب.