الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٣٥

الإباضية في موكب التاريخ

33

نشأة المذهب الإباض لماذا تبقى محفوظة لا يستفيد منها أنصار الخلافة أو خصومها في أربع ثورات جامة ذهب ضحيتها عدد غير قليل من المسلمين الأبطال، إن دل هذا على شيء فَإِنَّمَا يَدُلُّ على أن هذه الأحاديث لم تكن معروفة عند وقوع هذه الثورات، وَإِنَّهَا إِنَّمَا وضعت بعد ذلك قصدا للتشنيع على أهل النهروان ولحمل علي على قتالهم والقضاء عليهم خوفا من أن يحرج علي من دمائهم، ويتردد في قتالهم، ويفكر تفكيرا منطقيا في أنه قد يكون لهؤلاء حق، ولرأيهم سند.

وقد كان علي شديد المحاسبة لنفسه كثير التفكير في أعماله السابقة، يزن ما أقدم عليه من أخداث، ويدل هذا ما قاله أبو العباس الشماخي في كتابه القيم "السير": فقال الأشعث ناجز القوم: "وإن كلموا الناس أفسدوهم علينا (1).

فالشيعة الذين يحيطون بعلي، وهم يكافحون لكي يبنوا دولة، يخشون أن يتصل أهل النهروان بالناس، وأن يقنعوهم بما لديهم من حجة وبرهان. إن قبول التحكيم خطأ في السياسة، وإن خلافة علي بعد التحكيم والعزل باطلة، وإن البيعة ساقطة عن الأعناق، وإن الخليفة الحق هو عبد الله بن وهب الراسي الذي بايعه جمهور غير قليل من المسلمين، كان الشيعة يخافون أن يتصل أهل النهروان بالناس، ولذلك فهم يريدون أن يقضوا على هذه الآراء قبل أن تنتشر في الناس ويفهمها الجميع، ويقتدوا بصحتها. ولا يمكن القضاء على هذه الآراء إلا بالقضاء على أصحابها، فلو تردد علي في هذا الأمر، وتحرز من إراقة الدماء، فإن كُلّ شيء سوف يضيع، ولذلك فيجب أن يحمل بشتى الوسائل والطرق على اتخاذ هذه الخطوة الحازمة الحاسمة. وقد استطاعوا أن يقنعوه، فاقتنع برأي الأشعث، واتخذ هذه الخطوة، ونفذ فكرة المناجزة فقضى على أهل النهروان، وَلَكِنَّهُ لَمْ يستطع أن يقضي على الفكرة التي دعوا إليها، هذه الفكرة التي تسربت بما فيها من صدق وصراحة وواقعية إلى كثير من العقول، حتّى أصبحت

مبدءا يناضل

عنه معتنقوه بصبر وشجاعة وثبات.

(1) الشماخي: السير، ص 52.