الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣٤١الإباضية في موكب التاريخ
339
الإباضية في ليبيا (2)
(1)
أبو يوسف وجدليش"
"يُوجلين" قرية واقعة على زاوية مثلث من جبل شامخ متجه إلى مغرب الشمس وعلى القدم اليسرى لهذا الجبل الشامخ الضارب في الهواء تستلقي جناون الجميلة، والواقف على قمة هذا الجبل فوق الأبراج المتينة التي شادتها هنالك سواعد الأجداد القوية ليحرسوا منها مدخل " جَنَّاوَن" ويشاهد مدينة "مزغُورَة" رابضة فوق منبسط فسيح من الجبل المقابل، فإذا انحطت عيناه إلى الشمال قليلا رأى في السفح قرية شكشوك" كَأَنَّها نجمة يحيط بها هلال أخضر من نخيل، ومن هنا وهناك حول هذه القرية الجميلة تنحدر أودية خضراء ملتوية، تتقارب وتتباعد حَتَّى تذوب في الأرض المنبسطة التي تتكون منها حقول القمح والشعير. وفي هذه القرية وعلى رأس هذا المثلث ولد أبو يوسف وجدليش بن في، وصافحت عيناه النور، وتمتع منذ صغره بالجمال الذي أضفاه الخالق على طبيعة هذه المنطقة، وهل أجمل من أن يقف الإنسان في "يوجلين" ويستدير بصره من اليمين إلى اليسار، ومن اليسار إلى اليمين يرمى ببصره إلى المشرق فيمتد بين غابة زيتون ونخيل تحجب لون الأرض بخضرة داكنة، فإذا استدار قليلا طالعته المباني العالية "للقصير"، و"أشبارى"، و"جادو" متراكبة كأنها ناطحة سحاب من صنع هناك يترلق بصره إلى "تموقت" التي تقع فوق سرة هذا العملاق
الخالق، ومن
العظيم، ومنها ينبع النهر الصغيرة ملاءة خضراء من شجر النخيل والأعناب، والتين وتحتها تستلقي "جناون" في استرخاء كأنها تغط في حلم لذيذ، يتصاعد أمامها إلى الجنوب وادي جناون الجميل، فيكون شلالا في ماصر، وينعقد بحيرة في الزرقاء، ومن هذه البحيرة التي لا تزال إلى اليوم مصيفا لسكان الجبل ومقصدا للسواح الذين يزورون ليبيا من هذه البحيرة ينحدر الوادي وترتفع عينا الناظر مع الجبل المقابل فيجد مدينة "مارى"
الخالد الذي يروي الناس والشجر، وعلى قدمي هذه القرية
1) ذكره أبو زكريا في الطبقة الثامنة: فهو من علماء النصف الثاني للقرن الرابع.