الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣٤٢الإباضية في موكب التاريخ
340
الإباضية في ليبيا (2)
التي تسكنها جدة المشايخ "مارن" و "ندباس" التي يقبع فيها أبو نصر، م "مزغورة" التي ترتفع منها صومعة أبي زيد كما ترتفع المنارة الحدباء، فإذا استدار إلى الشمال انحطت عيناه على أرض الجفارة الفسيحة التي تشبه أن تكون زربية بسطتها هنالك قدرة الخالق في أيام الربيع.
ويسير معه
على هذه القمة هذه المناظر الفاتنة، نشأ أبو يوسف جميلا، صريحًا، حنونا، وبين يملأ قلبه الكبير حب الْحَقِّ فيستولي عَلَى مشاعره، فكان بذلك مؤمنا من أولئك المؤمنين الذين ينطبق عليهم قوله تعالى: {أَذَلَّة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ (1) يعرف أني سار، لا تأخذه في الله لومة لائم .. أخذ على نفسه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فقام بهذه الفريضة كأحسن ما يقوم مؤمن بواجب من واجبات الدين، لا يعرف الغفلة ولا المسايرة ولا المداهنة في دين الله، حتى إذا قام الْحَقِّ واستقام الناس على الطريق، وغلب أمر الله لزم نفسه، فكان ألين الناس خلقا، وأطيبهم نفسا، وأكثرهم حبا وحنانًا للمسلمين وعلى المسلمين. جعل إليه أمر السوق في "جادو" خوفا من أن يقصده أولئك الذين دخلت أموالهم الريبة من الأموال المغصوبة التي يبتزها الحكام الظالمون، وأتباعهم، أو الأموال المنهوبة التي يسرقها أقوام لم تطمئن قلوبهم بالإسلام، ولم تخضع جوارحهم لأحكام الله، فكان لا يستطيع أحد أن يبيع شيئا في مدن الجبل إلا بعد أن يعرف مصدر ذلك
المال.
وكان أبو يوسف رقيبا فطنا في سوق "جادو" فما يستطيع أحد أن يبيع شيئًا إلا إذا أذن له، ولا يأذن أبو يوسف إلا إذا تحقق من مصدر ما يبيعه الناس، وعرف أن هذا المال لم تدخله ريبة، وَلَمْ يملكه صاحبه من حرام، ولَم يتعامل مع أصحاب
الشبهة.
(1) سورة المائدة: 54.