الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣٤٤الإباضية في موكب التاريخ
342
الإباضية في ليبيا (2)
11
أبو زكريا يحيى بن الخير الجناوني (1)
جَنَّاوَن" مدينة غناء تستلقي في دلال عَلَى أقدم جبل أشم وتلعب على سرته القرية الظريفة الضاحكة "تَمَوْقَت" وتَجثم عَلَى صدره من الجانب الأيمن بلدة "القصير" الجميلة،
أَمَّا هامته المرتفعة التي تناجي السحب فتتوجها مدينة "جادو"، العظيمة الحديثة. أما كتفاه القويتان فقد وقفت عَلَى إحداهما "مَزُو" وعلى الأخرى "يوجلين" تصفق الأولى للجمارى" وتبتسم الثانية "لمَرْغُورَة".
وفي هذه المدينة الحالمة المسترخية عَلَى أقدام الجبل متلفعة بغلالة خضراء نسجتها يد الطبيعة الساحرة، تخترقها جداول المياه المنحدرة مع شلال القصب "إيغانيمن" نابعة من نهر "تَمَوقت" الثرار، وتحيط بها الأشجار الباسقة الكثيفة من زيتون ونخيل وكروم، وتناجيها الشمس الغاربة على صومعة أبي زيد، فتبعث إليها قبلات المساء مع الأشعة الصفراء الدافئة. في هذه المدينة الجميلة الفسيحة التي كانت منبعا من منابع العلم، ومركزا من مراكز الإيمان، وحصنا لإنتاج الرجولة والبطولة والفداء في هذه المدينة التي استعصمت على قوى الميورقي حين طاش به الغضب، وظن أنه أوتي من القوة ما يقضي به على الحياة، فأضرم النار ليحرق هذه المدينة وما يحيط بها من أجنة وبساتين، فاحترق ما يزيد عن اثني عشر من شجر الزيتون، ولكن "جَنَّاوَن بقيت صامدة له وللتاريخ، وقد أحرق التاريخ الميورقي وأضرابه من الظلمة، بعد أن أحصى عليهم جرائمهم، وبقيت "جَنَّاون" تبتسم
ألفا
للحياة.
وفي هذه المدينة العظيمة نشأ أبو زكريا يحيى بن الخير بن أبي الخير الجناوني، تظهر عليه مخايل النجابة، وتسطع على جبينه أشعة الصلاح، وتدل حركاته وكلماته على الذكاء والعبقرية منذ الصغر، وقد ربى تحت رعاية جده أبي الخير، فغذى عقله بالمعرفة، وملأ قلبه بالإيمان، وعوده السير على هدى الإسلام فبلغ شهرة علمية لم يصل إليها جده.
(1) ذكره أبو زكرياء في الطبقة التاسعة فهو من علماء النصف الأول للقرن الخامس.