الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٣٤٥

الإباضية في موكب التاريخ

343

الإباضية في ليبيا (2)

وقد عكف على تأليف الكتب، فزود المكتبة الإسلامية بعدد من النفائس تزدان بها

رفوفها العامرة، ولقد أصبح مرجعا يقتبس منه العلماء والطلاب، ويرجع

والمتطلعون إلى المزيد.

الباحثون

درس في المدينة العلمية "إبناين" عَلَى العلامة أبي الربيع سليمان بن أبي هارون الباروني، وَلَمَّا أَتَم دراسته هناك ورجع إلى بلده " جَنَّاوَن"، أسندت إليه الفتوى، فكان نعم المفتي، لا يعبأ بجواب ولا يقف في سؤال، ولا يعسر عليه حل مشكلة من مشاكل المعرفة. وكان سمح الخلق، لين العريكة كريم اليد، ولكنَّه مع هذه الصفات اللينة كان شديدا في الْحَقِّ لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يؤثر عليه موقف من المواقف، يقول فيه أبو العباس الشماخي: كان اعتماد أهل نفوسة على كتبه حفظا وفتيا، لكونه أودع فيها المأخوذ به من الأقوال، وَرُبَّمَا ذكر الخلاف، وهى كتب مفيدة في الأحكام"، وإن رجلا يحوز ثقة أمة فتعتمد كتبه في دينها وأحكامها لرجل بلغ الغاية. وهو إلى هذا الاطلاع الواسع، والعمل المتواصل في التأليف، كان الجهد في نشر العلم وبث المعرفة، وقد درس عليه كثير من العلماء الذين يشار إليهم بالبنان، ويرجع إليهم في عويص المسائل، ومعضلات المشاكل.

أما

يعرفه

جم

النشاط، موصول

حرصه على التعلم وجده في الدراسه، وإقباله على الاطلاع، فقد كان مضرب الأمثال بين الأقران ويكفي أَنَّه بقي في "إبناين" مدة دراسته على أبي الربيع، لم يجد من وقته فراغاً يقضيه في التجول بين أحياء المدينة، أو الاطلاع على البيئة التي تحيط به، فَلَمَّا أَتَم دراسته وأراد الرجوع إلى بلده، استأذن من شيخه أن يقوم بجولة يطلع فيها على ما لم من البيئة التي قضى فيها زمنا غير قصير من عمره المبارك، وأن يدخل إلى القسم المخصص للنساء في المسجد العامر الذي كان محلا للعبادة، عامرا بذكر الله آناء الليل وأطراف النهار، كما كان مدرسة تؤدي رسالة التعليم للكبار في دروس الوعظ والإرشاد، تثقف عقول أولئك الناس الذين حرمتهم ظروف الحياة من الدراسة في الصغر، فتيسر لَهُم سبل التعلم، وتنور قلوبهم بما تضفيه عليهم تلك الدروس من هدى وحكمة.