الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣٤٦الإباضية في موكب التاريخ
344
الإباضية في ليبيا (2)
أبو نص فتح بن نوح الملوشائي)
تَمْلُوشَايْت" مدينة فسيحة تنبسط على قمة جبل شامخ ترنو إلى مغرب الشمس وتناجي زميلتها "فرسطاء" الجائمة على ضفة الوادي المقابلة.
في هذه المدينة التي كانت تنافس عاصمة الجبل "شروس" العظيمة في يوم من الأيام ولد أبو نصر فتح بن نوح الملوشائي، وعلى هذا المنبسط فوق القمة الشامخة الذي يزدان بشجر الزيتون الأخضر، درج، وعلى حوافي الجبل الشامخ كان يثب في خفة الوعل، أو يجلس ورجلاه تتأرجحان عَلَى ارتفاع شاهق وعيناه تنطلقان على مدى البصر في سهل الجفارة الذي لا يحد، وخياله يذهب سابحًا منطلقا حرا فوق الغيوم.
التلميذ لنعم الأستاذ.
لقد كان لهذا الموقع الشاعري الساحر أثره على هذا الطفل الذي شب في مدينة والجمال، وبعد أن تلقى المبادئ الأولية، انتقل إلى المدرسة الكبرى التي كان يشرف عليها خاله أبو يحيى زكرياء بن إبراهيم، فكان نعم بلغ في الدراسة مبلغا لا يصله إلا القليل من عباد الله المختارين: ثقافة واسعة، وخلق رضي، وإيمان قوي، وشدة في دين الله، وقيام بِالْحَقِّ لا يقوم به إلا عدد ضئيل من أصحاب المبدأ والدين والضمير، إذا ترافع إليه الناس للخصومة جعل بينه وبينهم ستراً من باب أو جدار أو غيره، حتّى لا يغلبه الحياء فيميل مع أحدهما.
وإلى هذا الإيمان القوي والدين القويم، والعلم الواسع، كان شاعرًا مطبوعًا ليس له نظير من العلماء الشعراء .. تطالع شعره فتجد حكمة المتنبي وجزالة لفظه. وقد ينظم في العلوم، فتجد في نظمه روح الشاعر التي تخلو منها المتون الفقهية واللغوية، وإذا كان الشعراء غالبا ما يقضون أعمارهم يهيمون في الأودية، ويتسكعون في المفازة، ويلغون في الباطل، فإن هذا الشاعر العبقري كان عاملا ومن دعاة العمل، وجادا ومن دعاة الجد، ومكافحا ومن دعاة الكفاح، فاستمع إليه يصف لك طريق السمو والمجد:
سما من سما بالجد والعزم والصبر
وسهر الليالي والسرى والتهجر
(1) ذكره أبو زكرياء في الطبقة الثانية عشر: فهو من علماء النصف الأول للقرن السابع.