الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣٤٧الإباضية في موكب التاريخ
345
الإباضية في ليبيا (2)
إن الإرادة القوية، والعزيمة الصادقة، والصبر على المكاره، ومواصلة الكفاح في الليل والنهار لهي الوسائل التي ترتفع بالإنسان إلى مراتب المجد والكمال والشاعر يصور لنا الرجل الذي يظفر بإعجابه وحبه والرجل الذي يزدريه ويبتعد عنه في بيتين رائعين من الشعر القوي: أحب الفتى ماضى العزائم حازما لدنيا وأخرى عاملا بالتشمر
وَأَما أخو النومات لا مرحبا به ولا بالجثوم الراكد المتدثر قارن بين الرجال الثلاثة في هذين البيتين انظر إلى هذا الفتى الحازم صاحب العزيمة الماضية، الذي يشمر عن ساعد الجد، ويكافح من أجل الحياة السعيدة في الدنيا والآخرة؛ إنها صورة للمسلم الحي الذي يعرف قيمة الرسالة المنوطة به في الحياة، وقيمة العمل الذي يسأل عنه يوم القيامة، فهو لا ينسي آخرته بدنياه، ولا ينسي دنياه بآخرته فيعيش عالة على الناس. ثُمَّ انظر إلى هذا الكسلان الذي يقطع يومه بالنومات، فهو لا يدأب على عمل، ولا يستمر في كفاح، استمرأ البطالة، وتعود على الامتداد لا يصلح لدنيا ولا الدين. أما الصورة الثالثة فهي لهذا الرجل الذي يقبع في زاوية البيت أو المسجد، قد تلفع بثوبه ور کد ركود الصخر، تحسب أن الحياة قد فارقته فهو جاثم جثوم الجماد لا روح له ولا حركة، وتأمل معي هذه الصورة الشعرية الرائعة للكسلان الذي يعيش على الأمل لا عَلَى العمل، يبيت ليله مهموما مشغول الفكر يقلب أوجه الرأي في طريق الكفاح، فإذا أصبح لم يعمل شيئًا، حَتَّى يأوي به الزمن السائر الدائر إلى ليلة مقبلة، فيعاود ما كان عليه، حتى ينصرم منه العمر ويذهب به التاريخ فيمن ذهب من
الناس:
جبال الأماني والوساوس والفكر
سمير هموم وسد الرأس ليله واقرأ معي إن شئت هذه الصورة الحية للإنسان في معركة الحياة: وما المرء في دنياه إلا كناعس أحاطت به الأمواج في لجج البحر
وتأمل معي إذا أردت هذه الصورة الرائعة لواقع الناس عندما يدهم أحدهم الموت فيذكرون الله، ويفزعون إليه ويخشون عاقبة أعمالهم، حتى إذا توارى إذا توارى الميت، وبعد عنهم
شبح القبر،
رجعوا إلى ما كانوا عليه من تكالب على الدنيا، ونزاع على لذائذها وشهواتها: ترى عند ذكر الموت للنفس نفرة وتأبي الطباع الانتقال عن الصبر