الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣٤٨الإباضية في موكب التاريخ
كذئب دهى خرفان حي
فارزت
346
الإباضية في ليبيا (2)
وغاب فعادت لاقتطاف المنور
والشاعر العالم كبير القلب يحب الإخوان، ويبعث إليهم بتحاياه في كل مكان: سلام على الإخوان في كل موطن بنجد وخيف والسهولة والحزن ولكن هذا الحب لا يمنعه أن يوجه إليهم كلمة العتاب والتوبيخ عَلَى جُمود الفكر وضآلة العمل، وقرب الغاية التي يسعون إليها إذا كانوا يتجهون بدراستهم إلى أنواع معينة من المعارف تدر عليهم أرباحًا مادية، ولكنَّها لا تسمو بهم في ميادين الثقافة العالية، والكفاح المثمر، الذي يدعى إليه المسلم الحريص على أداء رسالة الإسلام. نظرتُ إلى قرائنا فوجدتهم
بفقه المعاش مولعين بالسن ومن أمر ما ينتقد على هؤلاء المتعلمين القاصرين أن معارفهم، سطحية لا تتجاوز ألسنتهم! لم يصلوا إلى أن يكون علمهم مبدأ، وعقيدة راسخة في القلوب عليها يعملون وبها يصدرون. والشاعر المؤمن العالم عامر الجوانب غزير المادة لا يصوره حديث عابر في فصل من
جديدا
كتاب، وإذا يسر الله فسوف أعود إليه في دراسة أدبية تتنازل بعض كبار الشعراء. كان أبو نصر يجلس على حافة الجبل، متجهًا إلى الشمال، حيث تنبسط أمام عينيه السهول الفسيحة، التي تمتد ما بين جبل نفوسة والبحر، وفي هذا الموقع الجميل الذي يطل منه على العالم، نظم أبو نصر أغلب شعره، وأكثر متونه، وفيه ألف مقاماته الرائعة، التي نحا فيها منحى بالنسبة إلى ما عرف من أساليب المقامات وأغراضها، لقد كان يأوي إلى ذلك المكان الشاعري بعد صلاة العصر، عندما تخف حرارة الشمس الغاربة، ويرق نسيم الأصيل. أما ليله الذي يبتدئ بعد نهاية الدروس التي يلقيها في المسجد بعد صلاة العشاء لعموم الناس، فقد كان يقسمه قسمين قسم لمذاكرة العلوم، ومراجعة الأسفار الضخمة، والتحقيق العلمي الذي يحتاج إليه. أما القسم الآخر فخاص بعبادة ربه يناجيه فيه، ويستلهمه الهداية والتوفيق والبركة، وعند الصباح كان يشتغل بالتدريس لينشئ جيلا من الشباب الواعي يتحمل عنه رسالة الإسلام. وهكذا كانت تمضى حياة أولئك الأعلام بين حلقات متواصلة من الكفاح، لا يفترون ولا يملون. وَأَما أخو النومات لا مرحبا به
ولا بالجثوم الراكد المتدثر