الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣٤٩الإباضية في موكب التاريخ
347
الإباضية في ليبيا (2)
أبو موسى عيسى الطرميسي)
"طرميسة" اليوم: قرية صغيرة جاثمة على قمة ضاربة في الهواء بين واديين عميقين تشبه أن تكون ناطحة سحاب، أو وكر عقاب، يفصلها عن بقية الجبل من جهة الجبل خندق عميق يصل بين الواديين حفرته أيدي العمال الأقوياء ليحفظوا هذه القرية الصغيرة من عدوان المعتدين، ومفاجآت المغيرين، عندما تكالب الناس على الدنيا، وبعدوا عن دين الله؛ فكانت بذلك تشبه أن تكون جزيرة معلقة في السماء .. "طرميسة" القديم فيقع إلى الجنوب بنحو ميلين على حافة الوادي الجميل، الذي تنبع منه عين "قلو" حيث ترد اليوم أسراب من الحمام يخطئها العد، وفي هذه القرية التي تطل عَلَى هذه العين، التي كانت في يوم من الأيام شبيهة بعين الزرقاء، ولد أبو موسى عيسى الطرميسي، وفيها نشأ، وَلَمَّا بلغ سن الدراسة التحق بمدرسة أبي يحيى وجدليش، وعنه، درس، وفيها تخرج، وَلَمَّا أَتم دراسته أسس مدرسته العظيمة التي خرجت عددا غير قليل من الأعلام.
أما موقع
تقع المدرسة التي أسسها أبو موسى عيسى الطرميسي فوق ربوة عالية متوسطة بين "جادو" و"طرميسة"، ويظهر أنه اختار هذا المكان حتى يكون وسطا بين مجموعة من القرى، يأتي إليها الطلاب الذين يقيمون في الأقسام الداخلية التي أعدتها لَهُم المدرسة، فقد كانت تبعث إليها مبالغ من المال من مختلف الجهات لينفق منها على طلاب هذه المدرسة.
انقطع هذا العالم الكبير إلى التعليم، فلم يشغله عنه مال ولا ولد، والما نصحه أصدقاؤه أن يتزوج، ولكنَّهُ آثر العزوبة التي ينقطع فيها إلى العمل والعبادة، فلم يتخذ له شريكة في الحياة، ورهب كُلّ حياته لربه وطلابه.
قضى زمنا غير قصير في تنظيم هذه المدرسة التي أسسها في مركز ممتاز، يجمع بين عدد من القرى، فَلَمَّا استقرت أركانها، وقويت عَلَى أداء رسالتها، وانتظم أمر
1) ذكره أبو زكرياء في الطبقة الرابعة عشر: فهو من علماء النصف الثاني للقرن السابع.