الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣٦الإباضية في موكب التاريخ
34
نشأة المذهب الإباضي
وخلاصة البحث أن كلمة الخوارج أطلقها بعض المؤرخين على أتباع عبد الله بن وهب الراسي إطلاقا تاريخيا وأدبيا، بحيث لا تنصرف إلى غيرهم وليس في هذا كبير بحث، فإن
إطلاق اسم على مجموعة من الناس ليس بذي أهمية إذا كان هذا الإطلاق مجرد تسمية. أما إذا روعي فيه مدلول ديني فإنه يحسن بنا أن نتريث قبل أن نطلق هذا الحكم الرهيب، الذي يسلطه التاريخ المغرض على رؤوس بعض الطوائف الإسلامية في قساوة وغلظة، في الحين الذي نعترف فيه أن هذه الطوائف تؤمن برسالة " مُحَمَّد" وبتكاملها، وبما جاء فيها، وتستند في آرائها ونظرياتها إلى كتاب الله وسنة رسوله -عليه الصلاة والسلام- … وتعتمد في محاججتها على ما جاء في التنزيل، وورد في خبر المعصوم، وأجمعت عليه الأمة، التي لا تجتمع على ظلال، ولو أنهم انحرفوا في الفهم، وأخطأوا في التأويل. وقد يعتقد بعض من يطلع على هذا الفصل أنَّني أريد الدفاع عن الخوارج، وتبرير أعمالهم، وتصحيح أخطائهم.
والواقع أني لم أقصد إلى شيء من ذلك، وَكُلُّ ما في الأمر أنه ساقني إلى هذا الحديث المنطقية التي وجدتها في أبحاثهم ونظرياتهم في قضية الخلافة، وحاولت جهد المستطاع أن أصور الحوادث والدواعي إليها في ذلك العصر دون أن أنساق مع تيار من التيارات، وأجعل أحكامي أكثر دقة وتجردا من المؤثرات السياسية والعاطفية والمصلحية التي أثرت على كتاب التاريخ والباحثين في العقائد في تلك العصور السوابق. والله الموفق للصواب. ويسرني أن أصرح في آخر هذا الفصل أني أجل أصحاب رسول، وأني أدع له أصحابه امتثالا لأمره الله، فلا أقول فيهم إلا خيراً، وأني أعلم أنه لو أنفق أحدنا مثل أحد ذهبا فلن يبلغ مد أحدهم أو نصيفه وحسبهم شرفا أن الله اختارهم لصحبة رسول الله، وأنهم الدفعة الأولى من حملة مشعل الإسلام، وَلَعَلّ الله اطلع عليهم فغفر لهم، كما قال ال في أهل بدر. أما أولئك الذين وردت فيهم أحاديث تعيب مسلكا أو قولا، فإنني لا أتجاوز فيهم معنى تلك الأحاديث، وعهدتها على راويها. وإنَّني أستغفر الله من الزلل وأتضرع إليه سبحانه أن يغفر لي ما قد يكون انزلق إليه القلم مما لا يرضى عنه، إنه ولي التوفيق والهداية.