الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٣٥٢

الإباضية في موكب التاريخ

350

الإباضية في ليبيا (2)

أبو طاهر إسماعيل الجيطالي

(1)

"جيطال": مدينة فسيحة تقع بين "أمسين" و"إينر"، على ربوتين متقابلتين كأنها هدان على صدر حسناء تُحيط بها من جميع الجهات غابات كثيفة من الزيتون والتين. وفي هذه المدينة الفسيحة نشأ فيلسوف الإسلام صنو أبي حامد الغزالي: أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي.

درس أبو طاهر على أبي موسى عيسى الطرميسي، ومن مدرسه العامرة تخرج، وبلغ من فهم الإسلام وأسرار الشريعة مبلغًا قصر عنه الطالبون، وتضاءل دون بلوغه العارفون .. اشتغل بالتدريس في مدرسة أبي زيد المزغورتي، وقد التقى فيها بعد وفاة شيخه أبي موسى بزميله وصديقه العلامة أبي عزيز، ثُمَّ انتقل إلى "فرسطاء"، فقام فيها بالتدريس تسع سنوات كاملة .. وأخيرًا انتقل إلى جزيرة ة" وبقي فيها إلى أن وافاه الأجل المحتوم، فلحق بربه.

أبو طاهر الجيطالي عملاق من عمالقة الفكر الإسلامي في ذلك العصر، خدم الإسلام بإخلاص المؤمن وجد العالم وعمق الفيلسوف، والآثار القيمة التي تركها تحتاج إلى مزيد من العناية والدراسة والبحث، ولو قدمت تلك الآثار اليوم إلى المكتبة الإسلامية الغنية لاحتلت بينها مكانا مرموقا. وَلَعَلّ من أعظم ما كتب عن معاني الإيمان وفلسفة الأخلاق: كتابه القيم "قناطر الخيرات" في ثلاثة أجزاء ضخمة، والجيطالي وإن كان متأخرا عن الغزالي، إلا أن مقارنة بينهما قد تكون من المباحث الممتعة التي تحتاجها المكتبة الإسلامية، والمقارنة بين الفيلسوفين المسلمين العظيمين تحتاج إلى ذهن صاف وفكر نير، وفهم عميق الروح الإسلام، وأثرها في العقيدة والسلوك.

(1) ذكره أبو زكريا في الطبقة الخامسة عشرة: فهو من علماء النصف الأول من القرن الثامن.