الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣٥٣الإباضية في موكب التاريخ
351
الإباضية في ليبيا (2)
والجيطالي لو لم يقدم إلى المكتبة الإسلامية إلا هذا الكتاب، لكان فيه الكفاية، ولكن الرجل مطبوع على حب الكفاح في سبيل الإيمان والعلم، فهو يدعو إلى ذلك بسلوكه ولسانه وقلمه لم يفتر عن هذا الكفاح حتَّى لحق بالله، وقد ترك فيما ترك "قواعد الإسلام"، ولا يقل هذا الكتاب روعة عن القناطر، وإن كان كتاب القواعد لم يعن بالناحية الفلسفية للشريعة الإسلامية، وَإِنَّمَا عنى المؤلف فيه بالتحليل والتعليل والتدليل، ويعتبر هذا الكتاب من أهم المراجع في قواعد الإسلام الخمسة، وهو كتاب ضخم قل أن تجد في موضوعه مثله.
وشرح قصيدة الشاعر العبقري أبي نصر الملوشائي، المسماة بالنونية، والتي
مطلعها:
سلام على الإخوان في كُلِّ موطن
وَإِنَّهَا لَمتعة للنفس والفكر والعقل أن تقرأ شعراً لأبي نصر يقدمه إليك أبو طاهر
ويشرحه لك.
وجمع المناقشات التي كانت تدور بين أئمة العلم فنسقها وقدمها في كتاب قيـ يشتمل على ثلاثة أجزاء. وقد اهتم بفريضة الْحَجّ اهتماماً خاصاً، فأفردها بكتاب فريد في نوعه وأسلوبه وروحه، وحسبك أن تعرف أنه كتب بروح أبي طاهر الجيطالي. جمع كثيرا من الرسائل، ونظم عددًا القصائد، هي إلى معاني الفلسفة أقرب من منها إلى أغراض الشعر.
إن الذي يقرأ الفقرات السابقة يحسب أن العمل في حقل العربية والإسلام لم يترك للفيلسوف الكبير وقتًا أو مجالا يعمل فيهما في غير هذا الحقل، ولكن الواقع هو غير ما يظنه هذا القارئ الكريم، فإن الفيلسوف بلغ في العلوم الرياضية المعروفة في ذلك الحين مبلغا يقصر عنه الأقران، وقد ألف في الحساب والهندسة.
وإلى هذا الجهد المتواصل في التأليف كان يشتغل بالتدريس، وكان لا يتوقف عن دروس الوعظ والإرشاد ولا يقف عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد كان