الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣٥٤الإباضية في موكب التاريخ
352
الإباضية في ليبيا (2)
يعيش في مجتمعه عيشة حقيقية، يعرف ما يقع فيه من هدي وظلال، ولذلك فقد كان يحارب أسباب الضلال حربًا متصلة لا تتوقف ولا تهادن سواء كان هذا
الله
وقد كان يغشى
الضلال زيفا في العقيدة، أو انحرافا في العمل، أو استهانة بالواجب، أو جهلا الأسواق، ويدخل المجتمعات يبين للناس الحق من بأحكام دين الباطل والحلال من الحرام حتّى قال بعض العابثين: "إن أبا طاهر قد علم التجار جميع وسائل الغش، يعنون أنه ينهاهم عنها فتعلموها منه.
إن عزائم الأبطال لا تضعف ولا تتوقف عند حد، وهؤلاء الأعلام حين يخدمون الإسلام ويخدمون الأمة، ويخدمون الوطن، يخدمونها في جميع الوجهات، وبجميع القوى والإمكانيات، قلم لا يكف عن الكتابة، ولسان لا يكف عن الهداية، وسلوك لا يحيد عن صراط الله السوي، وجوارح لا تعرف التعب أو السام .. إِنَّهَا جهود جبارة متواصلة متتابعة متعاونة.
من
سافر إلى طرابلس في تجارة، وكانت شهرته بلغت الآفاق، فجمع له الأمير عددًا المدينة، للجدال والنقاش فعجزوا عن الوصول إلى شأوه،
العلماء، فيهم قاضي والتطلع إلى الأفق السامي الذي يحلق فيه حتّى تحداهم فقال: "هل عندكم من فتخرجوه لنا، فحقد عليه القوم وَلَمْ يزالوا بالأمير حَتَّى سلبه ماله وسجنه وي في السجن حتى شفع فيه ابن مكي" أمير قابس، فأطلق سراحه. أقام بـ"فرسطاء" مدة من الزمن، تبلغ تسع سنوات، يقوم فيها بالتدريس، ويقيم ركن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويكافح الأمراض الاجتماعية التي تتسرب إلى الأمة بطرق خفية حتَّى إذا كثرت استعلنت وفشت! .. سمع يوما بأن خمراً عند أحد الناس فخرج إليه في جمع من الفقهاء والعلماء وأهل الصلاح ليغيروا هذا المنكر، ويطلبوا من هذا المنتهك لحرمة الإسلام أن يكف عن معصية الله معصية الله ويتوب إليه، ولكن أهل العاصي غلبتهم قوة القرابة عن أمر الله، وساقتهم عصبية الدم إلى معارضة حكم الدين، فاعترضوا طريق الشيخ وأصحابه، وامتنعوا عن تسليم المجرم الذي انتهك الحرمة، وأعلن المعصية؛ فرجع الشيخ آسفا وعزم عَلَى الارتحال، ولَمَّا تعلق به الناس يمنعونه من