الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٣٥٥

الإباضية في موكب التاريخ

353

الإباضية في ليبيا (2)

الرحيل، ويحولون دونه قال لهم: "لا أقيم في بلد لا يقام فيه الْحَقِّ، ويمنع المؤمنون من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهكذا انتقل من جبل نفوسة إلى جزيرة جربة، وكان لانتقاله ذلك أثر أكبر من إقامة الْحَدّ، وأخذ العاصي بالعقاب؛ فقد أعلنت المدينة براءتها من المجرم وأهله، وقطعوا التعامل معه ونبذوه كما ينبذ المصاب بالأمراض السارية، فضاقت بالرجل وأهله الأرض، وأعلنوا توبتهم ورجعوا يلتمسون السماح، ويطلبون تنفيذ حكم الله، وطأطأوا تلك الرؤوس التي نفخ فيها الشيطان فارتكبت أكبر جريمتين في شرع الأخلاق والدين، وهل أكبر من شرب الخمر ودعوى الجاهلية.

زار بلده "جيطال" فوجد العلامة أبا ساكن عامر بن علي الشماخي في المسجد يدرس بعض الكتب بعد صلاة العشاء، والعلامة أبو ساكن من خريجي مدرسة أبي موسى الطرميسي التي درس فيها الجيطالي، وإن كان الجيطالي أسبق من أبي ساكن في حلقة الدرس فهما زميلان بالنسبة إلى المعهد وإن لم يجتمعا في عهد الدراسة. وجلس الفيلسوف الكبير إلى العالم الكبير، وجرى بينهما النقاش الممتع الذي يجري بين صديقين ذكيين عالمين، واستمر بهما الحديث إلى أن قاما إلى صلاة الصبح، وأجاب العالم الكبير عن جميع الأسئلة التي وجهها إليه الفيلسوف الكبير، فلم يتوقف في مناقشة، وَلَمْ يعي بجواب فكان أبو طاهر يقول بعد ذلك إذا سئل عن أبي ساكن الشماخي: "عامر" وحيد دهره"، والرجل الذي ينجح في امتحان يعقده له أبو طاهر، ويناقشه فيه ليلة كاملة حقيق أن يكون وحيد دهره، على أن الآثار التي خلفها الشماخي كافية للدلالة على سموق مترلته، وارتفاع مكانته. لقد عاش الجيطالي في القرنين السابع والثامن يملأ الدنيا علما، وحكمة، وخلقا، ودينا، وتوفي سنة خمسين وسبعمائة (750 هـ)، بعد أن ضرب مثلا رائعا للمسلم المكافح الذي لا يعوقه شيء عن بلوغ أنبل الغايات وأسمى المقاصد.