الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣٥٦الإباضية في موكب التاريخ
354
الإباضية في ليبيا (2)
" يفرن " (1):
أبو ساكن عامر الشماخي
اسم يطلق الآن على مجموعة من القرى المتجاورة، وقد كان عدد منها متصلا يكون مدينة عظيمة تُسَمَّى "البيضاء"، ومن هذه المجموعة تنتأ قرية إلى الشمال الغربي تسمى "ديسير" كان لها تاريخ حافل وبها الحصن العظيم الذي يتكون من نحو ألف وثمانمائة غرفة بعضها فوق بعض خربته الدولة التركية عند احتلالها للجبل، كما خربت كثيرًا غيره من القصور الشاهقة التي تعتبر معاقل للتحصن ومخازن للحفظ. وتقع هذه المدينة الكبرى بقراها التابعة لها عَلَى منبسط من الجبل قد تنتأ فيه ربوة غير عالية أو ينحدر فيها واد غير عميق، والمنطقة التي تقع فيها هذه المدينة تعتبر من أجمل مناطق الجبل وأخصبها أرضاً، وأجودها، تربة وألطفها هواء، وأعذبها ماء.
في هذه المدينة الكبيرة الجميلة الغنية نشأ أبو ساكن عامر بن علي بن عامر بن يسيفا و
الشماخي.
مسلكه، وهو صغير
ممسكا
برسن
نشأ طفلا يطل الذكاء من عينيه، وتظهر النجابة عَلَى مخايله، ويرى الصلاح على صغير أرسله أبوه ليرعى بقرة مع رفاق له فمر بهم أعرابي وجد عامرا البقرة يتتبعها خطوة خطوة هي تنتقي الأعشاب وتختار أنواع الكلا، فقال له الأعرابي: "لماذا" تُمسك برسن البقرة دون، رفاقك هلا أرسلتها واسترحت ولعبت مع أقرانك؟ " فقال عامر: "أخشى أن تغشى زروع الناس وعجب الأعرابي من خلق هذا الطفل الصغير؛ فَلَمَّا دخل المدينة ذهب إلى أبي عامر يقول له: "إن ولدك يصلح للدراسة
11
(1) قال سليمان باشا الباروني في سلم العامة والمتدئيين" ص 39 وهذا الاسم أي يفرن الآن يطلق على قرى متعددة، وهي: تفرست، وديسير، ويقال لها الشقارنه كان بها قصر فيه نحو ألف وثمانمائة بيت، طبقات بعضها فوق بعض، خربته عن آخره الدولة العثمانية، وكان من أعظم حصون الجبل، والقصير وتاغمة، وقصبة مانة، وناز مرايت وقصبة بن مادى والمعانين والقراديين والمشوشين والبخاخة، وفي هذه الأخيرة مدرستنا التي جددتها سنة 1322 هـ، وهي الآن عامرة بالإباضيَّة، وفيها من الرجال المعتبرين أرباب الشهامة والفضل والدين ممن يفتخر بهم
الزمان.