الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٣٥٧

الإباضية في موكب التاريخ

355

الإباضية في ليبيا (2)

لا لرعي الأبقار"، وكانت هذه الحادثة نقطة تحول في حياة هذا الطفل النجيب، وفي اليوم الثاني أرسله أبوه إلى المدرسة بدلا من مرعى البقر.

وبعد

أن تلقى المبادئ الأولى في مدرسة "البخابحة" التي كانت تقوم برسالة التعليم

لقرون طويلة، التحق بالمدرسة العظيمة، مدرسة أبي موسى عيسى الطرميسي، هذه المدرسة التي خرجت عددًا غير قليل من أعلام الدين والفكر وفيها درس، ومنها تخرج، وكان أحب الطلاب إلى الشيخ الكبير وآثرهم عنده حَتَّى خصه دون بقية الطلاب النجباء يحمل الأمانة، فقال له: "لقد أبلغت إليك هذا الدين سالما دون أن تشوهه الخرافة أو البدعة فإن حافظت عليه بقي، وإن أهملته ضاع (1).

بعد أن أتم دراسته رجع إلى "يفرن وكون هناك مدرسته الكبرى التي لا تزال قائمة إلى يومنا هذا، في نقطة متوسطة بين قرى يفرن، وبدأ كفاحه في نشر العلم، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشر الثقافة والوعي الديني والخلقي بين الناس مدة من الزمن، ثُمَّ انتقل إلى مدرسة أبي زيد المزغورتي، وتعاون مع زميله وصديقه الشيخ أبي عزيز في حمل الرسالة المقدسة حَتَّى استقامت ووجد أبو عزيز من طلابهما من يساعده على أداء هذا الواجب، فانتقل أبو ساكن إلى "ميتيون" في أرض الرحيبات، وهنالك بقي ثلاث عشرة سنة، استطاع خلالها أن يرجع إلى تلك البلاد عهدها الزاهر في العلم والفضل والدين، ثُمَّ رجع إلى مدرسته العظيمة في "يفرن وبقي بها إلى أن اختاره الله للرفيق

الأعلى.

لقد

حرص أبو ساكن أن يكون عند حسن ظن أستاذه، فبذل جهدًا لا يقل عن جهد شيخه، وترك من الأثر ما لا يزال إلى اليوم.

من

مكان

قد يخطر سؤال على بال أحد القراء الكرام فيقول: لماذا ينتقل هؤلاء العلماء إلى مكان يؤسسون مدرسة في بلد من البلدان، وبعد زمن طويل أو قصير ينتقلون إلى بلد آخر فيقومون بنفس الرسالة، ثُمَّ لا يلبثون أن ينتقلوا منها.

1) نقلت هذه العبارة بتصرف.