الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٣٥٨

الإباضية في موكب التاريخ

356

الإباضية في ليبيا (2)

والجواب على ذلك معروف من قواعد الْمَذهَب، فإن أولئك العلماء الأعلام يؤمنون أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان، وهم لا يستطيعون أن يحاربوا الجهل أو المنكر أو الفساد أو الانحراف عن بعد، أو بالمراسلة؛ ولذلك فهم يدرسون المجتمع ويعرفون جوانب الحياة في كُلّ جهة من جهاته، ويتلمسون الأمراض التي تصيب الأمة في دينها أو في خلقها، وفي المحل الذي تبدو ظواهر بعض هذه الأمراض يتخذون مراكز علمهم، وينطلق كفاحهم حَتَّى يستأصلوا الداء ويبيدوا جراثيمه التي تفتك بالأمة، فإذا علموا أَنَّهُم قضوا عَلَى هذه الأمراض الاجتماعية والدينية الفتاكة وأمنوا عَلَى هذا الجانب من الأُمَّة، ورأوا آثار أعمالهم، انتقلوا إلى غير ذلك المركز ليقوموا بنفس العمل. إن أولئك الأعلام كانوا يرون أنهم محاسبون عَلَى إبلاغ رسالة الله إلى محمد و كما جاء بها، ولن يعذرهم ربهم أن يعملوا عَلَى تبليغها في مكان واحد وهم قادرون أن يبلغوها في أمكنة متعددة، إنَّهُم يلاحقون هذه الأمراض أمراض الجهل، والانحراف عن بالزيغ أو الإهمال، كما يحارب أبطال السيف هجوم الأعداء؛ فما يسمعون بغارة كبيرة أو صغيرة في طرف من أطراف الوطن حَتَّى ينطلقوا إليها. هكذا كانوا يفعلون، وبهذه السيرة سار أبو طاهر الجيطالي، وبهذه السيرة سار أبو ساكن عامر الشماخي، وبهذه السيرة سار عبد الله الباروني، وبهذه السيرة سار عشرات المشايخ الأعلام من قبل هؤلاء ومن بعدهم وفي عصورهم لا يفتر عزائمهم إعراض الجاهلين ولا هزء المتكبرين، ولا يقعد بهم حب المال أو الأهل أو القرابة، ولا يألفون الاستقرار والإقامة؛ فما الحياة في نظرهم إلا رحلة متصلة لا يهم المسافر فيها المكان الذي يبيت فيه، سواء بات بـ"يفرن" أو بـ "مزغورة" أو بـ"مرساون" أو بـ"لالوت" ذلك أنه لا يريد أن يتأثل مالا أو يبني قصورًا، أو ليعيش حياة رغد ورفاهية. إن نفسه لتتوق إلى ذلك وهو يستعد لها، وإنه ليرجو من الله أن يكون له ما يشتهي وفوق ما يشتهي، بعد أن يتمّ هذه الرسالة الطويلة ويستقر إلى الحياة الوادعة الآمنة التي لا

دين

الله

نقلة فيها ولا انتجاع.