الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٣٦٠

الإباضية في موكب التاريخ

358

الإباضية في ليبيا (2)

أحس أبو عزيز صديق أبي ساكن في الدراسة بدنو الأجل، فبعث إلى صديقه يدعوه إليه وكان أبو ساكن قد قرر زيارة صديقه العزيز، فوافاه في آخر أيام الحياة الدنيا وتحادث الصديقان العزيزان وتواصيا بما يتواصى به المؤمنون المتقون، ثُمَّ افترقا في دنيا الفناء إلى لقاء في الآخرة سعيد، وقد أفضى أبو عزيز بما في نفسه إلى صديقه، وَلَمَّا لحق بربه انتقل طلبته إلى أبي ساكن، ولحقوا بمدرسته العامرة. كان أبو ساكن مثلا يُحتذى به في الجد والعمل والخلق الحميد، إنَّه من أولئك الدعاة الهداة الذين يقيم بهم الله الحجة عَلَى العباد في مختلف الأزمان والمؤرخون يروون أمثلة رائعة عن جده في التعليم، وحرصه عَلَى نشر الثقافة والوعي الإسلامي في الأمة، وقيامه بالعبادة الخالصة المتواصلة لربه، والتزامه للسير في

الطريقة القويمة، وإحياء لسيرة الصالحين.

وقد أطال الله في عمره الخير، حَتَّى أعياه الهرم، وَلَكنَّه مع ذلك لم يكن ليترك

ما أخذ به نفسه من إلقاء الدروس وإرشاد الناس، وملازمة المسجد، وقد ذكر أنه صلى بالناس في مصلى مسجده - وكان الوقت صيفًا - وَلَمَّا أخذ في الدعاء نزل منه البول دون أن يشعر حَتَّى ظهر من تحته ووقره الناس فلم يخبروه، فلما فطن إليه ورآه بكي -رحمه الله- وقال: "أطمع من وقال: "أطمع من الله أن يطهر الله أن يطهر منه المصلى"، فلم يلبث إلا قليلا حتى تكون سحاب، ونزل مطر غزير طهر المصلى، «إن الله

عِبَادًا لَو أَقسَمُوا عَلَيْهِ لأَبَرَّهُم». لقد كان رحمه الله مؤمنا أصدق المؤمنين، ومكافحا في الله من أشد

من

المكافحين، وكان متخلقا بخلق القرآن، حكيما، وقورا، عفيفا، لين العريكة، سهل الخلق، يُحِبُّ الناس ويُحبونه ويألفهم ويألفونه، إلا أن تنتهك حرمه من حرم الله، فَإِنَّهُ لا يقر له قرار حَتَّى يقوم فيها بأمر الله.

*******