الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٣٦١

الإباضية في موكب التاريخ

359

الإباضية في ليبيا (2)

أبو يوسف يعقوب بن أحمد بن موسى)

نشأ في مدينة "يفرن"، هذه المدينة العظيمة التي تتكون من مجموعة قرى لا تخلو إحداها من علم وفضل، وَلَعَلَّ من الخير أن أدع شاهد عيان يتحدث عنه، فقد جلس إليه العلامة أبو العباس الشماخي وسمع منه وناقشه فلندعه يتكلم، قال: "أخذ العلم من عمنا الله عبد الشماخي وغيره، وكان محققا، وحيد العصر، فريد الدهر، إماما في العلوم، وكنت سمعت بتونس حاضرة أفريقية من البَيْدَمُوري، وكان محققا في العلوم كلها عَلَى ما يدعى – وكنت أقرأ عليه وقد سألني عن الشيخ أبي يوسف وعن حاله فقلت له: بخير، وكان يؤمئذ حيا فقال:

"ما في تونس أنحى منه أي أعلم منه بالنحو - وكان بها أقرأ العلوم من النحو والبيان والمنطق والأصول، وسمعت من فقهاء تونس أخبارا في علو درجته في العلم، وكان طلبته بها ومن أخذ منه يفتخر على غيره، وذكر أنَّه اختلف مع بعض الأشياخ بها في مسألة في النحو، فأحضر في إثباتها ما يقرب عَلَى عشرين شاهدًا من أشعار العرب، ثُمَّ انتقل إلى "أمسين قرية من نفوسة وأقام بها إلى أن توفّي في شوال عام أربعة وتسعين وثمانمائة (894 هـ)، وقد جالسته مرارا وباحثته فما رأيت في جميع من لاقيت أكثر استحضارا منه، لو جالسته يومك ما ظفرت بكلمة لحن فيها في إعراب ولا تصريف، ولا يسكت ولو هنيهة، فكل كلامه علم مع سرعة لسان، إن سألته مسألة لا ينفصل منها إلا أن عن تعارضه بسؤال آخر، أما النحو فعشه الذي يعرف كيف يدخل فيه ويخرج، وَأَمَّا اللغة والتصريف فيا للعجب، وَأَمَّا التفسير فلو ادَّعى أحد أنَّه ما شذ عليه شيء من التفسير ما كذب. وعلم الحديث أظن أنَّه يحفظ ما رواه المخالفون والموافقون بضبطه وشكله ومعناه، وعلم التاريخ وتسمية الرواة والعلماء فكأنه حضر معهم، وصحبهم، وعلم الرقائق من الوعظ والتذكير فآية وهو مفزع علمه والفقه حضرت عنده مراراً يحكم بين الناس فتعجبت من تفصيله، فقلت: "لا ينبغي أن يحكم بين الناس إلا مثل هذا"، وأتيته يوما

1) ذكره أبو زكرياء في الطبقة الثامنة عشرة: فهو من علماء النصف الثاني للقرن التاسع.