الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣٦٢الإباضية في موكب التاريخ
360
الإباضية في ليبيا (2)
زائرا وهو شيخ كبير فألقيته يدرس تحت شجرة التين فتسمعت فإذا هو يقرأ مقدمة الخونجي في المنطق. وأما القرآن فأظنه يقرأ كتاب الله بالسبع. والبيان والأصول فهما
نصب عينيه.
و حضرت مجلسه يوما وكنت قبل مستشكلا مسألة فلم أجد من أزال إشكالها فوقعت في المجلس عارضة من غير أن أسال عنها، فباحثته فرأيت منه ما أبهرني، وأودعت بعض البحث في إعرابي لمشكل كتاب الدعائم في أوَّل قصيد الجنائز وغيرها، وذكر لي بعض طلبته أنَّه بقي في آخر عمره خمسة أعوام ما وضع جنبه عَلَى الأرض نائما، طوى الفراش، وكان صائم الدهر، وكانت صدقاته سرًّا، وكان كثير الصلاة، وعادته يعظ الجالس إليه، أو يقرأ القرآن أو يدرس ما حفظ من العلوم، أو ينظر في الكتب، وإذا أخذه النعاس تناوم قليلا كذلك".
قال لي: "حفظت ابن حريق في اللغة في خمسين يوما، وكان يدرسه ويدرس المقامات، وكان كثير الحفظ". قلت له يومًا كدت أن تكون ترجمان القرآن، ما رأيت احفظ
منك! ".
محمد
قال عمنا عبد الله بن عبد الواحد: "لا أصله في الحفظ. وزرته مريضا ومعي الحاج بن عبد الله العماني السمائلي وعمنا يونس بن مُحمَّد، فتكلما معه في علم الطب فأفحمهما، وقال عمنا يونس: إذا" شاب ابن آدم تشب معه خصلتان: الحرص وطول الأمل، فضم شين تشب أظن فأنكر عليه وأخذ في تصريفها بلغاتها ومصادرها، فكأنه ينظر في إصلاح المنطق لابن السكيت، أو فصيح ثعلب، وبالجملة من لم يره لم ير ما يتحدث به في أخبار العلماء، ومات وَلَمْ يترك تأليفا مع أنه ذو قدوة على التأليف في أي علم أراد، خصوصا التفسير والحديث".
إنني اكتفى بما رآه العلامة الشماخي، ورواه عن هذا العملاق من عمالقة العلم
والدين.
000