الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣٦٥الإباضية في موكب التاريخ
363
الإباضية في ليبيا (2)
وبعد، فإني أرى البدر الشماخي من المؤلفين المكثرين ويظهر أن له مصنفات في الفروع الفقهية، بيد أنها لم تصل إلينا بل لعبت بها أيدي التلاشي، وعبثت بها عوادي الغواشي.
فكانت أثرًا بعيد عين.
الله
توفي - رَحمَهُ الله - ببلدة يفرن من جبل نفوسة سنة 928 هـ. وعده العلامة أبو عبد مُحمَّد بن زكرياء الباروني في الطبقة الثامنة عشر حسب ترتيبه كُلّ خمسين سنة طبقة. وَأَمَّا شيوخه فقد ذكر في تاريخه بعضا منهم: ذكر أنه أخذ العلم بتونس المؤنسة عن الشيخ البيدموري، وعن العلامة الشيخ أبي عفيف صالح بن نوح بن زكرياء التندميرتي النفوسي، قال البدر: عنه أخذت بعض العلوم، وكان عهد البدر مزدهرا بالعلم ازدهارا من كُل نواحي الثقافة الإسلامية والدين، ظهر فيه أعلام فخام، مثل أبي القاسم البرادي وأبي يوسف يعقوب بن أحمد بن موسي آية من آيات الله في جميع العلوم الشرعية والعربية والفلسفية والتاريخ، وكان أعلم رجل بتونس في النحو بشهادة علمائها، وكثير من تلاميذ الإمام أبي ساكن عامر الشماخي، فَإِنَّهُ نبغ منهم جمع كُلّ منهم بلغ الذروة العليا علما وعملا يشار إليه بالبنان، فرحمهم الله". انتهى إلى هنا ما قاله الإمام القدوة العلامة أبو إسحاق اطفيش، وإذا قال أبو إسحاق فليس لقائل بعده أن يقول، ولكنني مع ذلك أستسمحه أن أزيد كلمة، وَكُلُّ ما أريد أن أشير إليه بعد هذا الحديث الممتع الصادق المحق الجامع، أن أشير إلى أن العلامة البدر الشماخي يعد في أحد الأعلام الذين قامت عليهم حركة التأليف منذ الاتجاه الجديد الذي اتجهه طلاب
نظري
أبي موسى عيسى بن عيسى الطرميسي. وإذا كانت تلك الحركة المباركة أتت ثمارًا طيبة، وتركت لنا تراثا مجيدا تفتخر به المكتبة الإسلامية فإن طريقة أبي العباس في كتابه القديم "السير" طريقة فريدة ليس لها مثيل فيما عرفناه من كتب التاريخ. فإن المؤلفين في التاريخ غالبا ما تتخطفهم حوادث السياسة، ويتتبعون المظاهر من حوادث الانقلابات والمعارك العسكرية وسير الملوك والحكام، ويعتقدون أنهم بذلك قد أرخو للشعوب والأمم، والواقع هو أنهم أرخوا لعدد قليل من الناس، وثبوا إلى كراسي الحكم، وتصرفوا في عباد الله وأموال الأمة دون حق، ولن يعطي ذلك صورة صحيحة عن تاريخ أمة من الأمم أبدا، فإن أخبار الجيوش والمعارك وتحركات الأجناد والقواد، وأعمال الحكام الظالمين،
الخادعة