الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٣٦٦

الإباضية في موكب التاريخ

364

الإباضية في ليبيا (2)

والسيطرة على الناس والتحكم فيهم، وتحطيم المدن المعاقل، وما يتبع ذلك من مظاهر القوة

والسلطان التي تستعمل في غير أمر الله ليست هي الصورة الصحيحة لتاريخ وحياة أية أمة. وقد أدرك العلامة أبو العباس الشماخي هذه الحقيقة فلم ينجرف مع تيار السياسة إلا بمقدار، وَإِنَّمَا قدم لنا الصورة الحقيقية لجانب من الأمة المسلمة، هذه الأمة التي تسكن ما بين "سرت" والمغرب الأقصى، وهو يقدم لنا المادة الحقيقية لتاريخ هذه الأمة في صورة العالم الذي يلقي دروس الوعظ والإرشاد، وفي صورة الرجل الذي يحمل الفأس ويذهب إلى الحديقة ليقلب الأرض، وفي الشيخ العالم القدوة الذي يسوق بقرته بعد أن يتزل المطر ليقوم بعملية الحرث، وفي الطفل اليتيم الذكي الذي يستوهب جحشًا صغيرًا ثُمَّ يتحايل عَلَى صاحبه فيبيعه له، وفي المجالس العلمية التي تنعقد في هذا المجتمع أو ذاك، وفي المبالغ التي تجمع لينفق منها عَلَى الأقسام الداخلية في المدارس المنتشرة، وفي صورة النصيحة التي تقدمها المرأة المخلصة لزوجها أو لصديقتها، وفي سلوكها عندما يتخذ عليها الزوج ضرة أو يقسو عليها في الحياة، وفي حديث البنت الساذجة عندما تزف إلى أبيها عن زينتها، وفي نقاش البنت المتعلمة لأبيها وإدلالها عليه، وفي كفاح المرأة من أجل العلم، وفي صورة الأحاديث والمشاورات والآراء

والفتاوى والأعمال، وَكُلُّ المظاهر التي يعيشها الشعب عيشة حقيقية لمجتمع وأسرة وفرد. لقد قرأت كثيرًا من كتب التاريخ، وقرأت كثيرًا من كتب الاجتماع، فلم أجد ما كما أجد ذلك في كتابه "السير" هذا الكتاب الذي يجعلني أعيش حياة واقعية تمتد

يستهويني

عشرة قرون.

أرأيت القصصي الموفق الذي يستطيع أن يبعث الحياة في شخوص أبطاله ويجعلك معجبا

هي

بهم مهتما بأعمالهم؟ إنَّه أبو العباس الشماخي، وقصته هذه قصة حياة أمة خلال عشرة قرون، وأبطالها أبطال الحقيقة لا الخيال حقيقة الحياة بما فيها من متعة، بما فيها من فقر وغنى بما فيها من حركة وصراع ونضال، بما فيها من عمل فردي وجماعي، والأمة الإسلامية في حاجة كبرى إلى كتاب من هذا الطراز يصورون الواقع كما هو، وكما تشهد به الحياة، وكما يجري به التاريخ الواقعي في فلك الزمان الطويل بعيدا عن توجيه السياسة المغرضة، والأطماع الزائفة، والمؤثرات الخارجية، مقصودة أو غير مقصودة.