الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٣٧٨

الإباضية في موكب التاريخ

376

الإباضية في ليبيا (2)

زواغة

"زواغة" مدينة عظيمة تقع غربي طرابلس بنحو خمسين كيلو مترا على شاطى البحر، ويطلق عليها اليوم اسم "صبرانه"، وإلى هذه المدينة كان يرجع "صبرانه"، وإلى هذه المدينة كان يرجع أكثر السكان البداة في السهل المنبسط بين البحر والجبل هذا السهل الغني بالثروتين الزراعية والحيوانية، وفي هذه المدينة نشأ عدد غير قليل من العلماء الأعلام الذين كانوا يحافظون على رسالة الإسلام، ويبلغون دعوة الله إلى الأحياء الضاربة في ذلك السهل الفسيح فيواصلونهم بالدروس والتفقيه في دين الله لا يكلون ولا يفترون من أمثال أبي الخطاب وسيل بن سنتين بن يزيد، وأبي بكر بن يحيى، وأبي موسى عيسى بن السمح، ويزيد بن خلف، ويخلف بن يزيد، وعشرات غيرهم، ولو لم ينشأ في هذه المدينة العظيمة من كبار العلماء إلا أبو الخير

لكفي.

عاش أبو الخير توزين الزواغي (1) في القرن الرابع، وقد كانت طرابلس تحت حكم الدولة العبيدية، أمَّا جبل نفوسة فقد كان مستقلا بحكمه، وكانت مدينة "زواغة" كغيرها من المدن التابعة لتلك الدولة الظالمة ترزح تحت أعباء الضرائب الباهظة، والاستغلال المشين، وكان أبو الخير الزواغي رجل علم ودين لا يأبه للدنيا ولا يملك منها شَيْئًا، فجاءه يوما عامل (2) الحكومة الظالمة يطالبه بدفع مائة دينار للدولة، وفكر الشيخ العالم طويلا ثُمَّ استمهل العامل وصعد إلى جبل نفوسة، وقصد إلى صديقه المخلص أبا علي الفساطوي

فأخبره الخبر، فقام أبو علي وأحضر إليه مائة دينار، ثُمَّ قال له: ادفع عنك الأذى. ورجع أبو الخير إلى "زواغة" ودفع المال إلى العامل الظالم، ولكن العامل بدا له رد المال فلم يلبث أن انتشرت رسله تبحث عنه في كُلّ وجهة، وأرشدهم الناس إلى مصلى أبي الخير على شاطئ البحر حيث يفرغ من دنيا الناس ليناجي ربه، فما وصلوه حَتَّى ذهبوا به إلى العامل، فقال العامل للشيخ خذ مالك، وأخذ الشيخ المال وصعد إلى الجبل ليرجع المال

(1) توزين": كلمة بربرية معناها ذو الجمال، أو ذات الجمال، تطلق على المذكر والمؤنث.

(2) هو عوصلت مولى للمعز بن باديس راجع: السير: ص 336.