الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٣٧٩

الإباضية في موكب التاريخ

377

الإباضية في ليبيا (2)

إلى صاحبه أبي علي فقال أبو علي: "ما كنت لأخذ مالا أعطيته الله، واحتار أبو الخـ مرة أخرى من هذا المال فهذا العامل الظالم يفر منه بعد أن أخذه، وهذا صاحبه أبو علي يمتنع من استرداده أفيحفظ به هو؟ .. وأشرقت في قلبه المؤمن فكرة "إن هذا المال الله، ويجب أن يفرق عَلَى عباد الله. ووقف أبو الخير يفرق المال عَلَى الفقراء والمساكين، لا يمسك منه لنفسه دينارًا ولا درهما.

عرض أبو علي على أبي الخير أن يقاسمه ماله وكان صاحب ثروة عظيمة- فقال أبو الخير مستنكرًا ما أريد بمالك يا أبا علي؟.

إن أبا الخير لو أراد أن يملك مالا لسلك السبيل التي يسلكها طلاب المال، ولكنه لا يقيم للدنيا وزنا ولا يجعل لها حسابا.

كان أبو الخير لا يفتاً بين "زواغة" و"جبل نفوسة ماراً بهذه الأحياء الضاربة في السهل الفسيح يفصل بين مشاكلها ويعلمها أحكام دينها ويأمر بمعروف هي في حاجة إليه، وينهاها عن منكر برز بسبب الجهل بدين الله.

وكان لا يطيل الإقامة لا في الجبل ولا في "زواغة"، فقد كان يضع حديدة في رف عندما يدخل "زواغة"، ويتفقدها من حين إلى حين، فإذا وجد الصدأ بدأ يعلوها قال: "هذا الحديد قد صدأ، أفلا تصدأ القلوب؟! "، ثُمَّ يسافر ليزيل الصدأ عن قلبه وقلوب إخوانه المؤمنين؛ إما في الطريق، وَإِمَّا في الجبل، فيفيد علما وخلقا ودينا ويستفيد. شكا إليه بعض الناس، حاله فقال: "أشكو إليك من قلب قاس، وعقل لا يفهم، ولسان لا يسأل، وبدن لا يخشع، ويد لا تعطي، ورجل لا تزور". فقال أبو الخير: "دواء الست بالست محبة المسلمين، وقراءة القرآن، والتضرع إلى الله عند السحر، وقيام الليل والصيام، وزيارة المسلمين

هذه هي

"قائمة الأدوية" التي أعطاها هذا الطبيب النفساني لهذا المريض، وهذا الجواب يكفي للدلالة على منزلة أبي الخير في العلم والدين وفهم أسرار النفس البشرية.

(1) راجع السير: ص 336.