الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٣٨٧

الإباضية في موكب التاريخ

385

الإباضية في ليبيا (2)

"زوارة" والتيجاني

أرى أنَّه يجب عَلَيَّ أن أعود مرة ثانية إلى الحديث عن "زوارة" والتيجاني، ذلك أن كلام الرحالة التيجاني في حاجة إلى مناقشة من بعض الجهات.

وأنا حين أناقش التيجاني أعلم تمام العلم أن هذا الرحالة قام برحلته وهو في ركاب أمير يقوم بخدمته، ويسعى إلى مرضاته ويتلقى منه الإحسان والعطايا، وأعلم كذلك أن لهذا الرحالة ظروفه وبيئته وجيله وأعلم مدى تأثر هؤلاء الكتاب الذين يقومون مقام الصحافة الموجهة اليوم فيبسطون الدعاية ويسبقون الرغبة ويلتمسون وسائل الرضا. إنَّني أعلم كُلّ ذلك، ولست أطلب من الرحالة الكبير أن يكتب في ذلك العصر بروح هذا العصر، ولكنني مع ذلك أستطيع أن أجد كثيرا من الحقائق التي تنكشف عند التأمل النَّزيه، والنظرة المنصفة. ولقد نقلت كلام التيجاني في الفصل السابق عن أهل "زوارة" الكرام، والنقاش الذي دار بين الرحالة الكبير وبعض علماء هذه المدينة التي سماها "زوارة الصغرى"، وقد أطال التيجاني في مناقشة مسألة واحدة ممَّا دار فيه الجدل بينه وبين عبد الرحيم الزواري؛ هذه المسألة هي المسح على الخفين، وذكر في بحثه الطويل: أن عدم جواز المسح على الخفين قول مروي عن الإمام علي بن أبي طالب، وَأَنَّهُ مذهب الشيعة، وَأَنَّهُ قول الإمام مالك في رواية عنه، ثُمَّ عقب على هذا البحث بأنَّه لم يصح عن الإمام علي، وقال في الرواية الواردة عن الإمام مالك: إنَّه يجب أن لا تحمل على ظاهرها، وذكر من صحح الرواية عن مالك تأولها، ويختم هذا البحث الطويل بقوله: "وبالجملة فالعلماء مجمعون على خلاف هذا القول، وقد نصوا عَلَى تفسيق من قال به، وقول هذا الزواري: إن هذا أخبار الآحاد ليس كذلك، فقد نص الأئمة على أن هذا الحكم مِمَّا من ارتفع عن خبر رتبة الآحاد، ووصل إلى رتبة التواتر". إِنِّي أدع التعليق على مسألة المسح على الخفين، فَإِنَّهَا مسألة فقهية فرعية يختلف فيها علماء الْمَذهَب الواحد فضلا عن علماء الأمة جمعاء، ودعوى التيجاني الإجماع فيها قد

أنَّه