الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣٩٨الإباضية في موكب التاريخ
396
الإباضية في ليبيا (2)
"1
وادي اگر اين
هو: واد عميق شديد العمق، ينحدر من الجنوب إلى الشمال متخذا أخدودًا بعيد الغور في الجبل وهو ضيق في أعلاه متسع في منحدره ويصب المياه التي يحملها في مواسم الأمطار في الحقول الفسيحة التي تنتج أجود الحبوب من قمح وشعير، ويتفرع من أعلاه إلى فرعين عند العين الثرارة التي تسقى منها "كباو" الحالية بالوسائل الحديثة لتصريف المياه.
يتجه
أحد الفرعين إلى الشرق الشمالي حيث ينتهي في الشلال الجميل الذي تنبع منه عين "رقو " العذبة بالماء الغنية بالغلال.
أَمَّا الفرع الثاني: فيتجه إلى الجنوب الغربي، وعلى الضفة الشرقية لهذا الوادي تقع مدينة "كباو" الجميلة دائرة حول ربوة مرتفعة يلمع فوق قمتها "قصر الخزين" كأَنَّه عمامة عملاق عظيم، وقد أنبتت هذه المدينة من عظماء الرجال عددا يتشرف به التاريخ، ويكفي أن تربتها الزكية، ومناظرها الساحرة، وقممها الضاحكة للشمس تعاونت عَلى تكوين أعظم رجل أنجبته ليبيا في العصر الحاضر سليمان باشا الباروني، والذي كان أفذاذ العالم، لم يعرف من التاريخ المعاصر من حارب الباطل بإخلاص كإخلاصه، الباطل في جميع صوره وأشكاله، سواء ما ورد منه مع الجيوش الاستعمارية الغازية، أو في أبواق الدعوة المشتتة، أو ما دس في الفكر والعلم المنحرف، وقد وقف في الميدان كما يقف المارد الجبار يدافع عن الحمى ضربات المدافع، ويرد جيوش العدو المتعاقبة، ويقود الجنود البواسل من أبناء الوطن.
ولقد استطاع أن ينير الطريق بفكره النير لعصبة الأمم، فأعجبت بآرائه، ولكن غلبتها شهوة الاستعمار فلم تنفذها، وجاءت اليوم هيئة الأمم المتحدة فوصلت إلى ما دعا إليه الباروني من قبل، وأصبحت قضية تصفية الاستعمار من أمجد الأعمال التي قامت بها هيئة الأمم، ولو استمع العالم من قبل إلى الباروني لانتهى اليوم من هذه المشاكل، واتجهت جهوده إلى معالجة مشاكل أخرى لا تزال في حاجة إلى علاج. لقد شغل الباروني فكر العالم مدة من الزمن، كانت الدول تنظر إليه بإعجاب فاغرة الأفواه، وقد مرت فترة من التاريخ لا تخرج منه جريدة في أنحاء العالم ليس فيها خبر عن