الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٣٩٩الإباضية في موكب التاريخ
397
الإباضية في ليبيا (2)
الباروني أو من الباروني، وليست هذه الشهرة قاصرة على الميدان السياسي أو الميدان العسكري، وَإِنَّمَا تشمل جميع ميادين الإصلاح. ومن العين الثرارة التي تروي "كباو " الحالية، يتجه هذا الوادي العميق أو الخندق الكبير نحو الشرق حَتَّى يصل إلى المدينة العظيمة "إبناين" تلك المدينة التي كانت مركز الحكم لأبي هارون موسى الملوشائي وابنه أبي الربيع ومأوى لعدد غير قليل من أعلام الفكر والقلم والحكم، ومن حولها تقع عدد من القرى التي تشبه أن تكون ضواحي لهذه المدينة العظيمة. وتقابل "إبناين" من الجنوب "جليمت" التي أنجبت فيمن أنجبت أبا هارون الجلالمي صاحب المدرسة العظيمة التي أنجبت أعلامًا يتشرف بهم التاريخ، وعندما يصل وادي "إكراين" إلى مدينة "إبناين" يتجه فرع منه إلى الجنوب الغربي حتّى ينتهي إلى شلال "فنده" وعلى الضفة الغربية لهذا الفرع تتناثر بقايا أطلال مدينة "مَمَّاسين" يرتفع من بينها مسجد العجوز الصالحة، جدة المشايخ أم الزين اللالوتية. أمَّا
الوادي الأصلي فينعطف مستديرًا حول "إبناين" إلى الشمال يشق تلك الجبال الشواهق في اعتداد وقوة، وعلى ضفته الغربية تقع "تصرَارَ" بلد أبي عامر التصراري.
وينحدر الوادي في اتساع واطمئنان حَتَّى يصل إلى المنفسح الذي أقيمت عليه مدينة "أبي رغوة" محتلة جانبي الوادي وما فيه من أجنة وبساتين وعيون دافقة، وعلى قمة الجبل الشرقية لهذه المدينة يجثم قصر "العنقر" في يقظة وانتباه، يقابله عَلَى القمة الغربية من الوادي قص "عطر شو" كأنهما حارسان أمينان.
وهذا الوادي من أعلاه إلى أسفله من أكثر البلاد شجرًا وثَمراً وماء، وقد كانت الشمس في يوم من الأيام أذل من أن تجوس خلاله لما التف فيه من الأشجار .. ويوازي هذا الوادي من الغرب واد آخر لا يقل عنه خصوبة وعمرانا، وهو وادي "الشيخ"، وعلى الضفة الغربية لهذا الوادي تقع "القلعة" و "تلات" المدينة التي عاش فيها أسلاف العلامة الكبير أبي سليمان داود بن
إبراهيم هذا الرجل الذي لا يكاد يخلو كتاب من كتب الأصحاب من تعاليقه وحواشيه. و إلى غربي هذه المدينة تنتثر أطلال "تنومات"، تلك الأطلال التي يختبئ بها مسجد أبي مُحمَّد، كَأَنَّمَا يَخشى عَلَى الفن المعماري الذي نحت به والنقوش الجميلة الرائعة على