الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٤٠٠

الإباضية في موكب التاريخ

398

الإباضية في ليبيا (2)

جدرانه وسواريه والآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، والحكم البليغة التي حلى بها محرابه وسقفه أن تعبث بها أيدي المتوحشين من الناس الذين لا يحترمون قداسة المساجد، ولا يرعون حرمة التاريخ، ولا يعجبون بجمال الفن.

وعلى الضفة الشرقية لهذا الوادي تقع قرية "بودير" و "نملل" تقابلهما من الغرب أطلال "طمزين"، يربط بينها مسجد أبي سليمان الطمزيني، ويضيق الوادي متصاعدا بين الجبلين في التواءات كثيرة حتّى ينتهي في موضع المدينة التاريخية الكبيرة "وريوري" وقد حرف اسمها اليوم قليلا فأصبح يطلق عليها "وروري"، وإلى الجنوب من أطلال هذه المدينة تمتد بساتين أشجار الفاكهة المختلفة، وحقول الحبوب، وتنتشر بينها الصهاريج والمنازل المنحوتة في الجبل، وتعتبر هذه الناحية من أجمل مصائف "كباو". وإلى الشرق من "كباو" تقع مدينة "فرسطاء" العظيمة التي أصبحت اليوم قرية صغيرة، وقد كانت في عهد ازدهارها لا تقل عظمة عن "تملوشايت" و"شروس"، وتتصل بهذه المدينة مجموعة من القرى تكون لها ضواحي جميلة، وفي هذه المدينة نشأ عدد غير قليل من الأعلام، والمصلحين الأفذاذ منهم أبو عبد الله مُحمَّد بكر الفيلسوف الاجتماعي، والمصلح الكبير، الذي لا يعرف السأم أو التعب، ولا يكف عن الكفاح في سبيل الله في لحظة من اللحظات، ولعله أوّل من فكر في وضع الدساتير المستمدة من الإسلام، فقد وضع دستوره المعروف بنظام العزابة، واستمد أحكامه من الإسلام وأعتقد أنه لا يزال هذا الدستور من أقوم الدساتير التي جعلت للمحافظة على المجتمعات ومراعاة مصلحة الشعوب، ولم يكن

العلماء

الرجل نظريا يكتفي بوضع الفكرة، ولكنَّه حرص أن ينفذ هذا الدستور، وتطبيق أحكامه. سافر من جبل نفوسة إلى جربة، ومن جربة إلى وادي أريغ، ومن وادي أريغ 1 إلى وارجلان ثُمَّ إِلى وادي ميزاب وكان أهلها معتزلة، فلم يمكث بينهم إلا قليلا حتى صاروا إباضيَّة، ومن غيرهم عَلَى الْحَقِّ واتباعه؛ وطبق هذا النظام في تلك الواحات الخصبة الجميلة، ولا يزال يطبق إلى اليوم؛ فلقد حفظ هذا الدستور أبناء تلك الواحة الكرام من جميع الشرور التي دخلت البلاد الإسلامية، ولقد تمكن الاستعمار في أكثر بلاد الإسلام أن ينشر الفساد الخلقي مقدمة لإضعاف الروح الدينية.