الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٠١الإباضية في موكب التاريخ
399
الإباضية في ليبيا (2)
أما في وادي ميزاب فقد وقفت فرنسا عاجزة عن التسرب إلى المجتمع، ورجع
شياطينها
شياطين الإنس والجن - الذين جندتهم فرنسا مدحورين أمام ذلك الدستور. وليست القوة قوة الدستور في نفسه، ولكنها قوة الإسلام عندما التجأ إليه بنوه، وعرفوا كيف يطبقون أحكامه ويتقون به حيل الشياطين، وخدع المفسدين. وإلى الغرب من "كباو" تقع مدينة "تلات" وقريبا منها أطلال "تنومات" التي لم يبق فيها مسجد عليه كتابات بالخط الكوفي، ونقوش زخرفة إسلامية تشبه النقوش التي توجد في
مسجد أبي معروف في "شَرْوَس"، والتي توجد في مسجد أبي هارون في "إبناين". وقد قال بطل الإسلام وأسد الكفاح سليمان الباروني عندما تحدث عن أبي هارون بن موسى في بعض تعليقاته على "سلم العامة والمبتدئين": "وبالنظر إلى ما بقي من صدر المسجد، كالمحراب وما يليه المبني بالحجارة المنحوتة نحتا عجيبًا، المنقوش فيها بعض حكم بالخط الكوفي، يتضح جليا بأن لنفوسة في ذلك الوقت علما نافعا في الصنعة". وإلى شمال "كباو" وبحوالى خمسة عشر ميلا وتحت السفح تقع "قنطرارة" التي أصبحت اليوم تسمى "تيجي"، ولقد كانت "قنطرارة" عبارة عن جنة من جنان الله في الأرض، غزيرة المياه، تنبع منها العيون الشّرارة سائلة فوق الأرض، تسقي الحدائق الغناء التي كانت تنبسط على مسافات طويلة، وتنتج أجود الغلال والفواكه والتمور، وقد كانت تستقل بحاكمها عن الجبل أيام الدولة الرستمية، وبعد وقعة "مانو" هجم عليها الوحش البشري إبراهيم بن الأغلب، وقتل أغلب أهلها، وخرب حدائقها وأحرق أشجارها .. لقد ارتكب من الجرائم ما لم يرتكبه قائد حربي فيما أعرف، وهذه إحدى جرائمه التي يسجلها عليه التاريخ، ومنذ ذلك اليوم بدأت تنحصر وتنكمش حَتَّى بقيت اليوم عبارة عن عيون من الماء، تسقي عددا ضئيلا من النخيل، جعلت فيه الدولة أجهزة للحكم ومدرسة وفتح فيها منذ قريب سوق، ويرجع إليها سكان السهل الفسيح الذي ينبسط شمالا في ارتباطهم بالمصالح الحكومية. وفي هذه المدينة العظيمة قامت مدرسة العلامة سعيد بن أبي يونس الطمزيني، وفيها تخرج عدد من العلماء الأعلام أمثال أبي مسعد الجناوني، وَلَمَّا ضرب الأغالبة بنيانها، وأحرقوا
أجنتها، وقتلوا أغلب علمائها، انتقلت حركتها العلمية إلى "تمصمص" جنوب "طمزين".