الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٠٢الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في ليبيا (2)
في
وادي شروس
هو: واد شديد العمق، يتكون أعلاه من عدد من الفروع تلتقي حول مدينة "شروس" في منطقة متسعة، ثُمَّ ينحدر إلى الشمال محصوراً بين الجبال، فيكون ما يشبه عنق قارورة كبيرة تنبع أنحاء منه عيون وآبار، وقد كان دائم الخضرة، كثير الشجر، تزدان نحور الجبال الدائرة به وأعجازها بشجر البطوم الدائم الخضرة، أما قممها فتكللها غابات الزيتون الكثيفة، وفي محاري الوادي وروافده يرتفع النخيل متمايلا كأنه يصارع الزمن ليخرج من هذا المحبس العميق .. غير أن يد الإنسان العابثة لعبت أسوأ الأدوار في طبيعة هذا الوادي الجميلة، فاقتلعت أكثر تلك الأشجار التي تصبغ الجبال، بالخضرة، وقدمتها طعامًا للنيران، لتستخلص منه فحما يتخذه بعض الناس مكسبا وتجارة، وهي جريمة لعمري أقدم عليها ناس لا يفكرون في زمن غلبت الفوضى في الفترة المظلمة من تاريخ الوطن، هذه الفترة التي مرت بين الحكم الإيطالي الباغي، وحصول البلاد على الاستقلال، وقيام دولة من بنيها تحكمها وترعاها تلك الفترة التي أطلق عليها التاريخ فترة الاحتلال البريطاني، فحكمت ليبيا حكمًا عسكريًا تجرد عن النظام والقانون.
كان لهذا الوادي تاريخ حافل في الكفاح، وكم مرة جاءت الجيوش الباغية تحاول أن تدخل إلى العرين من عنق هذه الزجاجة فضاقت عليها، وبقيت محصورة حَتَّى فشلت وذهب ريحها ورجعت منهزمة، على أن لهذا الوادي قصة أروع من كُلّ ذلك في تاريخ الإسلام والفتح الإسلامي؛ فعندما كان عمرو بن العاص يقود جيشًا من لفيف من أصحاب رسول الله، وكانت مهمة هذا الجيش إبلاغ دعوة الإسلام الصافية كما أراده الله، وكما بلغها مُحمَّد ل لم يضق عنق الزجاجة عن هذا الجيش المؤمن الذي كان يقوده ابن العاص، وفتحت "شروس" أبوابها للإسلام دون أن تراق قطرة من الدماء، ودخل الفاتح البطل دون أن يكبد الإسلام خسارة في المال أو في الرجال، وتقبل أهل المدينة - مدينة شروس - التي كانت تتبعها في ذلك الحين أكثر من ثلاثمائة قرية دعوة الإسلام وفتحوا قلوبهم للإيمان، وصافحوا بإيمانهم أيدي الصحابة التي لمست يدي رسول الله، وبقي الجيش ما بقي في "شروس" بين أهل وأخوة، وعندما رجع الفاتحون، كان الإسلام قد استقر نهائيا، وكانت مبادئ الإسلام التي تحرر المؤمن من ربقة العبودية