الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٤١١

الإباضية في موكب التاريخ

409

الإباضية في ليبيا (2)

وادي الزرقاء

هو واد عميق، يتجه من الجنوب إلى الشمال في انحدار متدرج، يُكون شلالين عظيمين، أَوَّلُهما: شلال الزرقاء، ولا يقل ارتفاعه عن ثمانين مترًا حسب تقدير العين المجردة. أَمَّا الثاني: فأسفل منه، ويسمى "ماصر" وهو أكثر ارتفاعا من الأول. ويستمر الوادي في الانحدار بعد هذا الشلال حتّى ينسل من الجبال، ويذهب زاحفًا بين السهول الخضراء يحمل إليها الماء والغرين التي تكون أهم أسباب الخصب في أراضي الزراعة. في مصب الشلال الأَوَّل تتجمع مياه الأمطار والينابيع، فيتكون من مجموعها البحيرة الجميلة الساحرة التي تسمى الزرقاء، وسميت الزرقاء؛ لأن الزرقة هي اللون الغالب على مائها، ويبلغ عمقها في بعض الجهات ما يزيد عن عشرة أمتار حسبما يقال، وهي مستديرة الشكل كالمرآة، يبلغ قطرها مرمى الحجر للرجل القوي، عذبة الماء صافية الأديم، دائمة الزرقة، يحيط بها من جميع الجهات إطار من الأشجار، يمنحها الخضرة والجمال والظل الظليل، ينبع حواشيها، وينحدر إليها من الطبقات الصخرية صافيا باردًا منعشًا، وتعد الزرقاء أجمل مصيف لأهل المنطقة، ويأتيها السواح من جميع الجهات لمنظرها الخلاب، ومائها العذب، وهوائها

الماء من

المنعش العليل. أما الشلال الثاني "ماصر ": فهو أقل جمالا من الزرقاء، وأكثر ارتفاعا، وهو لا يكون بحيرة كما فعل الشلال الأول، فإن مياهه لا تجتمع وَإِنَّمَا تذهب منحدرة مع الوادي، والينابيع التي تخرج من طبقات الصخور في مصب هذا الشلال تعتبر عيونا عادية، عذبة الماء، تسقي ما تحتها من أجنة وبساتين. أما المسافة الواقعة بين الشلالين فهو أرض مزدانة بالأشجار المتشابكة، منها المثمر ومنها غير المثمر، ومنها ما تعهدته يد الإنسان، ومنها ما غرسته عوامل الطبيعة، ويسقي جميع هذه المنطقة المياه المنحدرة مع الوادي من بحيرة الزرقاء، مكونة نهراً صغيرًا لا يكف عن الجريان، حتى ينحدر مع شلال "ماصر"، أو تمتصه التربة الخصبة قبل ذلك.