الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٤١٧

الإباضية في موكب التاريخ

810

الإباضية في ليبيا (2)

فيها الحياة دبيبًا ضعيفًا أو قويًا، فقد كانت في يوم ليس ببعيد في التاريخ مثابة للعلم، ومركزاً

للإشعاع، ومأوى للأخبار ومحطا للرحال، رحال الكرام، يأوون إلى الكرام. وهذه "جنَّاوَن" التي لا تجد اليوم فيها سبعين رجلا ذكرًا، كان يجتمع بها في مسجد أبي عبيدة سبعون عالما، لا يرد أحدهم السؤال إلى الثاني إلا من طريق الأدب، وكان أبو عبيدة على ما عنده من علم وحكمة يجلس إلى بعضهم كما يجلس التلميذ إلى الأستاذ، وكان هؤلاء العلماء يعيشون في عصرهم بما تعنيه هذه الكلمة، فهم مطلعون على سير الحوادث وحالات المجتمع، يدرسونها ويتشاورن فيها، ويتخذون في جميع ذلك القرارات اللازمة.

وفي قرية "القصير" التي كانت محل استراحة واستجمام بين "جادو" و"جَنَّاوَن" كان يجلس أبو الليث في صعوده إلى "جادو" أو في منحدره إلى "جَنَّاوَن"، فيصلي الله ما شاء، ثُمَّ يعقد مجلس العلم في ذلك المكان الجميل الذي تظلله أشجار البطوم العظيمة، فيحضر إليه الناس ويقبلون عليه إقبال العطاش ولا يزال الناس إلى اليوم يذكرون تلك المجالس العلمية العامرة بالإيمان؛ ولكنهم بدلا من أن يشغلوها بالدراسة وإحياء السيرة وبث المعرفة، ونشر الفضيلة، أصبحوا يشغلونها بالصدقة والإطعام مرة أو مرتين في السنة، وهكذا عندما أقفرت الرؤوس من العلم جادت الجيوب بالمال، وفي هذا دليل على أن القلوب مفعمة بالإيمان وحب الخير ولكنها في حاجة إلى تعليم وتنوير.

أما "يوجلين" التي أنجبت أبا يوسف وجدليش بن في وأضرابه، فقد كانت ملاذ المشايخ ومزار الصالحين، ومقصد العلماء العاملين حَتَّى قال بعض المؤرخين إن العلامة أبا محمد عبيدة بن أفلح اليُوجلانى إِنَّمَا تعلم العلم في بيته لكثرة من يغشاه من العلماء الأعلام، ولطول ما يقيمون عنده وكان من أكثر العلماء إقامة في يوجلين وأخصهم بأبي محمد العلامة أبو الله جلداسن، وعليه أخذ أبو مُحمَّد عبيدة وغيره من علماء يوجلين، وقد أسندت إمارة الجبل إلى أبي عبيد الله بن جلداسن، فكان يقسم وقته بين "لالوت" و"جادو"، وفي الفترة التي يقيمها في "جادو" كان يمكن "يوجلين" ومنها يحضر إلى "جادو" ليقوم بمهام الحكم، أما الدروس فكان يلقيها أحيانًا في "يوجلين" وأحيانًا في "إمسراتن" مسجد نفوسة.

عبد