الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٤١٨

الإباضية في موكب التاريخ

416

الإباضية في ليبيا (2)

لقد كان عبيدة بن أفلح غنيًا كريما، ولذلك فقد كان يطعم هؤلاء المشايخ الذين يقيمون في "يوجلين" فيطيلون الإقامة من خالص ماله، ولا يقبل مساعدة من أحد، ولم يكن يشابهه في ذلك إلا العالم الثري أبو علي الفساطوي الذي كان ينفق من غير حساب، وكان من أخص الناس به وأقربهم إليه أبو الخير الزواغي حَتَّى ارتفعت الكلفة بينهما، وكانا يتحدثان في كُلّ جليل وحقير من أمرهما.

زاره عدد كبير من المشايخ فأقاموا عنده وأطالوا الإقامة فاختص بضيافتهم، ولم يسمح لأحد أن يساعده ويشاركه، وكان يذبح كُلّ يوم شاة لعشائهم وشاة لغذائهم، فخجل المشايخ وخافوا أن يكونوا أثقلوا عليه، فكلموا أبا الخير الزواغي راجين منه أن يترك اللحم على الأقل في إحدى الوجبتين، وفي اليوم الثاني من حديثهم مع أبي الخير زاد أبو علي فجعل عَلَى كُلِّ وجبة شاتين، وعاتب المشايخ أبا الخير فقال لهم: "لقد أبلغته رجاءكم وَلَكِنَّهُ استشارني واستنصحتني فنصحته بالزيادة في الخير".

أما "طرميسة" التي أنجبت عددًا من فحول العلماء مثل أبي مُحمَّد التنكيصي ومُحمَّد بن بركين وأضرابهم فيكفي أنه نشأ فيها من يستحق أن يلقب بأستاذ الجبل في القرن السابع الهجري، ذلك العلامة أبو موسى عيسى بن عيسى الطرميسي.

لقد كانت "جادو" بما تشتمل عليه من ضواح وقرى هي الحصن المنيع طيلة عدد غير قليل من القرون، وقد بقيت مركزا للحكم، وعاصمة سياسية للجبل يتوالى عليها الأمراء، أميرًا بعد أمير، لم تُخضعها القوى التي كانت تتكالب على احتلال الجبل من الشرق والغرب، وصمدت في بطولة للضربات العنيفة التي وجهت إليها، ولَمْ تؤثر عليها حتّى الجريمة النكراء التي ارتكبها الميورقي يوم أحرق غابة الزيتون التي كانت تظلل مدخل الوادي في "جناون" فكان عمله ذلك أفظع من عمل "داهيا" الكاهنة الوثنية؛ لأنها كانت تحسب ذلك حيلة من حيل الدفاع، أما هو فقد اتخذ ذلك وسيلة من وسائل الهجوم ضاربًا بعرض الحائط تعاليم الإسلام، ووصايا أمراء المؤمنين بعدم حرق الشجر، حتّى أيام الفتوح في البلاد التي لم ترتفع

فيها كلمة الإسلام.