الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٢الإباضية في موكب التاريخ
40
نشأة المذهب الإباض
ميزان الخطأ والصواب للفرق الإسلامية
إن كثيرًا من الذين تحدثوا عن الإباضية في القديم والحديث، وسواء كان ذلك في سياق البحث عن العقائد، أو عن أحداث التاريخ، جرت على أقلامهم هذه العبارة: "الإِبَاضِيَّة أقرب الفرق إلى أهل السنة"، وأهل السنة هم فرقة من الفرق الإسلامية، لها آراء وأصول بنت عليها قواعد مذهبها)، وهي ترجع في هذه الأصول إلى الأصل العام لجميع الفرق الإسلامية: الكتاب والسنة والإجماع، ولا يمكن بطبيعة الحال أن تتخذ فرقة من الفرق مقياسا للخطإ والصواب فتحكم على صحة المذاهب الأخرى بمدى القرب أو البعد منها، فَإِن كُل أصحاب فرقة من الفرق الإسلامية الكثيرة يعتقد أنه على صواب، وأن الْحَقِّ فيما ذهب إليه، وأن دينه الذي الله به أصح الأديان، وأن أصوله التي استمدها هي أثبت الأصول، وهو بهذا الاعتبار يرى أن الفرق التي تشاركه في أكثر الأصول تكون أقرب إلى الصواب ولكن هذه دعوى يدعيها أصحاب كُلّ، مذهب فليس لها في نظر الحقيقة قيمة وَإِنَّمَا المقياس الحقيقي الذي نقيس به الخطأ والصواب والميزان الصادق الذي نزن به العقائد والمذاهب والآراء والأعمال فنعرف مقدار صحتها ومدى قربها وبعدها من الصواب، فَإِنَّما هو الميزان الذي وضعه رسول: «لَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُم مَا إِن تَمَسَّكُتُم بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعدي أَبَدًا: كتاب الله، وَسُنَّتِي (2)، هذا هو المقياس الصحيح الذي لا يتغير، ولا يتهم، ولا يُخطئ، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من
يدين
خلفه.
(2)
من أراد أن يعرف صحة عقيدة أو زيفها، وقربها من الْحَقِّ أو بعدها فليعرضها على هذا المقياس، وليحكم حينئذ بما يتبين له، وليدع جانبا تقارب الفرق والطوائف
1) راجع الحديث عن أهل السنة والجماعة في الفصل: "الإباضية في قيادة الأمة" من هذه الحلقة.
(2) أخرجه الربيع في صحيحه، رقم 30. (المراجع)