الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٤٢٠

الإباضية في موكب التاريخ

418

الإباضية في ليبيا (2)

ينبس

بكلمة

طاهر بن يوسف سبعمائة قفيزا من الزيت، ولكن الشيخ بقي مطرقًا ساكنا لا فكاد السلطان ينفجر من الغضب، وقام يفكر في وسيلة للانتقام تذل هذا الرجل الصموت

الوقور.

أما الشيخ فقد حسب جميع ثروته الصغيرة فوجدها لا تفي بهذا المبلغ، وكان قد سئم من هذا الجور الذي لا يقف عند حد، فجمع ما خف لديه من مال وركب البحر هو وزوجه

المخلصة، وكان ذلك المال القليل مع ما عندها من الحلي قد جعلتها في صرة واحتفظت بها. ولما كان المركب ببعض الطريق أرادت أن تغسل يديها فسقطت الصرة في البحر واستراح ابن يوسف من المال، وهكذا هاجرت هذه الأسرة الكريمة من ساحل المهدية إلى طرابلس، ثُمَّ إلى جبل نفوسة وليس لديها من حطام الدنيا إلا ثياب مهلهلة عَلَى ظهور أفرادها، وقصد الشيخ جبل نفوسة معقل الأحرار حينئذ، ونزل أول ما نزل في "تاغمة" إحدى ضواحي " يفرن " المدينة البيضاء كما كانت تُسَمَّى في التاريخ القديم، وتسابق الناس إليه يجمعون له الأموال ويقدمون له المساعدات ولكن الشيخ طلب إلى الناس أن يمسكوا أموالهم، ويحتفظوا بها لأنفسهم حتى يزور بقية الجبل، ويرى بقية إخوانه من العلماء الأعلام، ثُمَّ يختار لنفسه بلدا

يسكنه.

وهكذا بدأ رحلته في الجبل، واجتمع بأقطاب العلم والدين، يأخذ منهم ويأخذون منه وأخيرًا اختار مدينة "أشفي" فاتخذها وطنًا، وقرر الإقامة بها، وحينما استقر بـ"أشفي" ذهب العلامة عيسى بن محرز وكان في "تَارَديَة" إلى مسجد "أمسراتن" الذي يشبه أن يكون دار ندوة يحضرها كُلّ علماء نفوسة فصلى صلاة الصبح، ثُمَّ أخبر الناس باستقرار الشيخ طاهر بن يوسف في "أشفي"، وجمع الناس له في ذلك المقام ستة وخمسين دينارا وبعث إليه علماء جنَّاوَن " أربعين قفيزا من الزيت، وبعث إليه إخوانه في "شروس" أربعين دينارا؛ وبهذه الثروة المتواضعة استطاع ذلك العلامة الكبير أن يعيش في "أشفي" عيشة المؤمنين وهو آمن على

حريته.

إلى الشرق من "أشفي" تقع مدينة كبيرة أخرى هي "تاردية"، وقد جثمت على منبسط من الأرض فوق جبل شامخ ترنو منه إلى قصر "الحاج" القرية الصغيرة عند السفح، كما يرنو