الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٢١الإباضية في موكب التاريخ
419
الإباضية في ليبيا (2)
صومعة
العملاق الطويل إلى قزم يلعب بين قدميه وفي هذه المدينة يقوم مسجد أبي يحيى بمئذنته الضاربة في الهواء كالمنارة الحدباء مائلة قليلا إلى الغرب كأنها تنحني لتهمس في أذن أبي زيد تشكو إليها أحداث الزمان وتغير التاريخ، وإعراض الناس عن دين الله وعمارة المساجد والقيام بأمر الله. وإلى المشرق من هذه المدينة بمسافة ليست طويلة تقع مدينة "سنتوت" متكئة على صدر هضبة ترنو إلى الشمال في غير مبالاة.
وفي هذه المدينة المسترخية اليوم نشأ أبو الشعثاء السنتوتي، قمة شامخة من قمم العلم، وعلما من أعلام الفضل، دأب على التدريس، وهذا خلق طبع عليه جميع رجال العلم في ذلك الحين، على أن الذي امتاز به أبو الشعثاء إِنَّما هو عنايته بتعليم الفتاة، فقد كان يخصص لهن دروسا فكن يتلقين عنه العلم ويستمعن منه إلى النصيحة، ولم يكن مجلسه يقتصر على الفتيات من "سنتوت" بلده أو القرى والمدن القريبة منه فقط وَإِنَّمَا كان يحضر إليه الفتيات الذكيات الراغبات في العلم من الأمكنة البعيدة التي يقطعن فيها المسافات الطويلة حبا في الثقافة، ورغبة في توسيع المدارك، حَتَّى لقد تحضر إليه الفتيات من "تدينت"، وإذا كان هذا إقبال المرأة عليه واهتمامه بأمرها فإن إقبال الرجال عليه أعظم، ورسالته فيهم أوسع، وعمله بينهم أكثر إثماراً، وأوسع إنتاجًا، وأعود بالفائدة .. وحياة أبي الشعثاء حافلة بالعلم والتعليم، الله والقيام الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والفهم الصحيح لدين كانت أم الخطاب امرأة صالحة رغب فيها أخو زوجها السابق فجاء يخطبها فرفضته، فالح، فأقسمت بعتق رقيقها أن لا تتزوجه، وأكثر عليها الناس فيه القول واللوم، وألحوا في النصيحة حتّى لانت واستجابت وراجعت نفسها وفكرت في قسمها، فقال لها أولئك الذين يحتالون على الدين، ويلتمسون الفتوى من الطرق الملتوية، ولا يهمهم أن يحللوا ما حرم الله، قالوا لها: "لو" وهبت مماليكك لأحد الناس ثُمَّ تزوجت فردهم عليك أو رد بعضهم لجاز لك ذلك"، ولكنَّها لم تطمئن، فذهبت إلى أبي الشعثاء تسأله عن موضوعها وتخبره عن فتوى
الناس، فقال لها في استنكار وتأنيب: "اتخادعين من خلق الخداع، يا أم الخطاب؟! ".