الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٢٢الإباضية في موكب التاريخ
420
الإباضية في ليبيا (2)
فرجعت مسرعة إلى دارها، فوجدت الإماء ينسجن فقالت لهن: "إنكن معتقات"، فقمن وَلَمْ تزد واحدة منهن خيطا فرحًا بالحرية وكن ثلاث عشرة جارية، وعلى مسافة قريبة من "سنتوت" إلى الشرق تقع مدينة "إشارن" بلد أبي إسحاق العالم الزاهد الذي كان لا يفتاً يقول لأهل بلده اضمنوا لي أربعا أضمن لكم أربعًا الأذان، والصلاة، وتعليم الخط، وحفظ القرآن الكريم؛ يسلم مسافركم، وينمو رزقكم، وتطفأ نار الحرب عنكم، ويرتفع القحط"؛ فإذا جاء إلى المسجد وَلَمْ يجد أحدا غضب الله وشدد الإنكار، وأسمعهم قوارع التأنيب، وَرُبَّمَا قال لهم: "يا أهل "إِشَارَن صِرتُم إِشَارَن (1).
كانت أرض "بني زمور المنبسطة المعتدة ما بين "وادي الآخرة" والأراضي التابعة لـ"جادو" متصلة العمران كثيرة، القرى، يعمرها العلم والعمل الصالح، وكانت ترتفع في وسط هذه الأراضي العامرة مدينة "ميرى" على عدد من الهضاب المشرفة على المنطقة، وعلى قمة عالية من إحدى هذه الهضاب لا يزال يجثم مسجد الإمام العظيم عبد الوهاب بن عبد الرحمن كما يجثم الصقر على صخرة ضاربة في الهواء، ينظر إلى ما تحته من حشرات وخفافيش في احتقار وازدراء.
مکث عبد الوهاب بن رستم سبع سنوات كاملة في هذه المدينة، فكانت بذلك عاصمة للإمامة فيما بين "سرت" والمغرب الأقصى وكان يرجع إليها الولاة من "سرت" و"ودان" و"زويلة" و "فَزَّان"، كما يرجعون إليها من تونس والجزائر.
واتسعت المدينة العظيمة للإمام العظيم فكانت حلقة اتصال بين الشرق والغرب والجنوب، واليوم وقد غدا الزمان على المدينة وأصبحت خرائب وأطلالا لم يبق منها إلا ذلك المسجد، يروي للتاريخ عبر الماضين، ولا يزال إلى اليوم حرما آمنا يضع فيه أبناء "الرجبان" اليوم زرعهم وزيتونهم فلا تمسه يد ولا يعتدي عليه، معتد كأنما لا يزال أمير المؤمنين عبد الوهاب يقيم فيه حدود الله، فيقطع أيدي السارقين، وينزل حكم الله على الخائنين.
1 إشارن الأولى: اسم البلد، وإشارن الثانية: يعني بما معناها البربري، وهو: الأظافر.