الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٢٣الإباضية في موكب التاريخ
421
الإباضية في ليبيا (2)
وإلى الجنوب من "ميرى" بنحو ميلين تنبسط "أدْرَف" التي تقع على مشارف غابة الزيتون،
فإلى شمالها الشجرة المباركة، وإلى جنوبها تمتد سهول مزارع القمح والشعير. وقد أنجبت هذه المدينة أعلامًا قل أن يجود بهم الزمان، وفيها نشأ عدد من العظام الذين
أختيروا الحكم جبل نفوسة، ومن بينهم أبو داود الذي استقل بحكمها، فقيل عنه: "إن نفوسة لم تر مثل أيام أبي داود، أقيمت حدود وصد عدوان المعتدين، فانتشر الأمن وعم الرخاء،
الله،
واستقرت الحياة بالناس فكان عصره عصر خير وبركة". على الضفة الشرقية لـ"وادي الآخرة" تمتد أراضي "تاغرمين" الفسيحة الخصبة، وقد كانت تلك الأراضي الفسيحة عامرة بالمدن والقرى، آهلة بالسكان ما بين حافة الجبل و"مطكو داسن" على حوافي الجبل يظلك شجر الزيتون الضخم، وعندما تبتعد عنها إلى الجنوب تمتد أمامك مغارس شجر، التين، فإذا تجاوزتها انبسطت أمامك مزارع القمح والشعير تلك المزارع التي لا يصل إلى مداها البصر، ولا تحدها رؤية العين تبدأ ضيقة في رؤوس الهضاب ثُمَّ تنفسح تدريجيا، فإذا نزلت الأمطار انسكب عليها الماء من المرتفعات فأرواها وأنعشها. و" تاغرمين" هذه التي أصبحت اليوم تُسَمَّى "الزَّنتان" كانت مقر علم وفضل ودين، ومنبت رجولة وبطولة وأخلاق.
وفيها نشأ عدد غير قليل من فطاحل العلماء، مثل أبي يعقوب الذي حكم جبل نفوسة، من خيرة الحكام اتباعا للحق، ورجوعا إلى دين الله في كُلّ صغير وكبير، وتواضعا للمؤمنين قال فيه أبو العباس: "أتاه رجل بنميمة فقال: فلان لا يقول هذا: بل هو منك. ومنك.
فكان
(1)
فقطع عن نفسه النمائم" أما أبو محمد عبيدة بن زارور فقد كان في المرتبة السامقة من العلم والورع والاستقامة. جلس يوما إلى المشايخ يتحدث عن نفسه ويراجع حسابه مع ربه فقال: "عملت ثلاثا يشبهن الفضول: أعطيت حمارا فارها أركب عليه من مكان إلى مكان فأعجبني سيره، فقلت: هذا الحمار! " فقال الرفاق: "إنَّه لليتيم الفلاني".
ما أحسن سير
1) السير: ص 253.