الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٤٢٦

الإباضية في موكب التاريخ

424

الإباضية في ليبيا (2)

وادي الرومية

واد يتجه من الجنوب إلى الشمال كما يتجه جميع أودية الجبل، وينحدر انحداراً تدريجيا خفيفا حتى يصل إلى قطاع من الجبل، فيكون شلالا عظيما رُبَّمَا كان أعلى شلال في جبل نفوسة، والمنطقة التي فوق الشلال تكون روضة مستطيلة قليلة النظائر، تشتبك فيها الأشجار المختلفة من مثمرة وغير مثمرة، وتسيل خلالها المياه الدائمة، وتنبع في كُلّ جهة من جهاتها عيون وآبار تجعل منها منطقة خصبة دائمة الخضرة، وأعظم هذه العيون وأعذها ماء هي عيون الرومية. وقد سحب قسم من مائها في أنابيب إلى مدينة يفرن على مسافة ستة أميال تقريبا، ومنها نروى هذه المدينة العظيمة.

أما المنطقة التي تحت الشلال فتكون غابة جميلة من الزيتون والنخيل تختبئ في أحضان الجبل العظيم، وبين تلك الأشجار الباسقة في حضن الجبل الدافئ وحول مصب الشلال العالي تنام قرية أولاد عطية في هدوء واطمئنان. إلى غرب هذا الوادي الخصيب الجميل تمتد أراضي خصبة تكون مزاراع للقمح والشعير تارة، وتكون أجنة وبساتين شجر التين تارة أخرى، فإذا اقتربت من حافة الجبل كونت غابة فسيحة خضراء من شجر الزيتون، حتّى تصل إلى جبل "شماخ" الذي يرتفع في شموخ بين الربى والمرتفعات. و تاريخ هذا الجبل كان يَمُرّ كتاريخ بقية الجبال والمرتفعات في حياة الطبيعة لو لم ينشأ عليه آل شَمَّاخ الأماجد، ورغم أن هؤلاء الرجال العظام انتقلوا في سكناهم من "شماخ" إلى "يفرن" بتاريخهم الحافل، وأعمالهم المجيدة، رفعوا من "شَمَّاخ" و"يفرن" على السواء، ويندر جدا أن تجد بلدا أمد الإسلام برجال تسلسلوا في أزمنة طويلة من التاريخ وهم يحملون أعباء الرسالة المقدسة في حرص وأمانة، كما فعل آل شماخ وآل الباروني، وآل أبي منصور إلياس. ولو كان للبقاع أن تفتخر لحق لـ"شَمَّاخ" و"تَندَمِّيرَة" و"تملوشايت" أن ترتفع بين الربى

والأوهاد.

وليس معنى هذا أن بقية البقاع لم تقدم من الرجال مثل هؤلاء، إني لو قلت مثل هذا لوقفت كثير من البقاع محتجة، ولصرخت في وجهي "أدرف" و"جادو" و"توكيت" و"أرجان"