الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٢٨الإباضية في موكب التاريخ
426
الإباضية في ليبيا (2)
وتاريخ "يفرن الإسلامي حافل بالمجد والعظمة، وقد بقيت مدة غير قليلة مركز إشعاع، ومنذ القرن الثامن تقريبا حملت رسالة العلم والتعليم في الجنوب الليبي، وكان لها فضل عظيم في نشر الثقافة الإسلامية ورعايتها والدعوة إليها إلى زمن الاحتلال الإيطالي وحتى في عصور الانحطاط، وفي أيام حكم الدولة العثمانية على البلاد بقيت "يَفرَن" في مقدمة البلاد التي حافظت على التراث الإسلامي الصافى محافظة لا تساهل فيها ولا تفريط. وقد كانت زاوية البخاخة مقصدا لطلاب العلم، ومأوى لعشاق الثقافة يقصدها نجباء الطلاب من كُلّ مكان تقوم برسالة التعليم المقدسة باستمرار مرة بقوة ونشاط، ومرة بضعف وفتور، حتّى جاءها في أواخر العصر التركي الإمام العلامة عبد الله بن يحيى الباروني، نجدد بناءها، وجدد أسلوب التدريس فيها، فاقتبس طريقة التعليم والإصلاح الاجتماعي، ومكافحة الأمراض التي بدت تسري في كيان الأمة من دين الله، ومن سيرة السلف الصالحين الذين سبقوه في هذا الميدان، فكان لمجهوده العظيم أعظم الأثر، لا يقل عما تركه أبو موسى عيسى الطرميسي وأبو ساكن عامر بن على الشماخي.
أما المدرسة التي أسسها أبو ساكن عامر الشماخي فقد بقيت هي الأخرى تؤدي رسالتها، تارة في التعليم المنهجي والإصلاح الاجتماعي، وتارة تقتصر على الإصلاح الاجتماعي، وكان في أغلب الأحيان يعمر هذه المدرسة بعض أبناء هذه الأسرة الكريمة التي لم ينقطع منها الفضل والشرف والعلم. وقد نشأ في "يفرن عدد غير قليل من العلماء أمثال عبد السلام بن صالح، وعمروس اليفرني وأبي يحيى زكرياء بن عبد الرحمن؛ وكان من العمالقة الذين أنجبتهم "يفرن" في أواخر العصر التركي، العلامة قاسم بن سعيد الشماخي نزيل مصر، وقد كون هذا العلامة إلى جنبه الأديب الصحفي المصري مصطفى بن إسماعيل، وكان الرجلان يكونان ثنائيا مندفعا في كفاح الأباطيل والخرافات والبدع بقوة وعزم وحينما ثار الجامدون في وجه الإمام مُحمد عبده كان هذا الثنائي من أعظم الأنصار الذين وقفوا في وجه الجمود، يردُّون كيد الخصوم، ويحاربون منطق التخلف الذي يمليه في أغلب الأحيان، حسد، مبعثه القصور والعجز فكانت لهما مقالات رنانة متآزرة في الصحف، وكتب متآخية في نصرة الحق، أما المحاضرات والمناقشات التي كانا يقومان بما في النوادي والمجتمعات، فقد سمعنا عنها وَلَمْ يصلنا منها شيء. أما والده سعيد الشماخي الذي كان يحتل مكانًا مرموقا في الأوساط العلمية فيكفي للدلالة على مكانته أن الحكومة التونسية قد اختارته وكيلا لها على شؤونها في مصر عَلَى ما لتونس من الرجال في ذلك الحين.