الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٣٠الإباضية في موكب التاريخ
428
الإباضية في ليبيا (2)
والأعمال الخالدة، والمشاريع الضخمة، والكفاح الدائب المستمر إِنَّمَا كان يقوم كُلِّ ذلك عَلَى كواهل أفراد أو جماعات من الأمة لا يسندهم الحكم، ولا يقدم لَهُم يد المساعدة إلا حينما يجد
في ذلك دعاية له أو تأييدًا لحكمه، أو جلبا لأنصار جدد يتأيد بهم سلطانه، ويقوى نفوذه. وحينما كان العاملون في الأمم الأخرى تغدق عليهم الأموال، وتفتح لهم الأبواب، وتحشر أمامهم الإمكانيات، كان رجال الإسلام يقومون وسط الدول المنحرفة بأعمالهم إما منفردين أو مؤيدين بأهل الفضل والإحسان من أبناء الأمة، ومع ذلك فقد استطاع أولئك الأبطال أن يقدموا للبشرية ما لم يقدمه غيرهم، وذلك لأنهم بنور الله يبصرون، وبروحه يعملون، إنهم يعملون في ضوء الإسلام الذي أنار آفاق الحياة للإنسان. ارجع إلى معاهد العلم في الوطن الإسلامي الفسيح، وإلى الدراسات التي قام بها جبابرة العقل، وإلى الرحلات الطويلة التي اكتشف فيها المسلمون كثيرا من مجاهيل الأرض، ارجع إلى ذلك وإلى أكثر من ذلك فإنك سوف تجده قد قام عَلَى كواهل أفراد أو جماعات، وكثيرا ما تجيء الدول فتحتضن مشروعا من تلك المشاريع بعد أن يثبت ويستقر، وأكثر المعاهد العلمية إِنَّمَا كانت عَلَى هذا النمط بناها أصحاب الخير والفضل أفرادا أو جماعات، وأوقفوا عليها أوقافا تدر عليها ما يكفيها من النفقات، وبعد أن يقوم هذا العمل ويؤدي رسالته كأحسن ما تؤدي الرسالات تأتي الدول فتدخل المعهد تحت نفوذها ثُمَّ تسحب أوقافه إلى ميزانيتها وتنفق عليه من بعد في حرص وتقتير، وتزعم للعالم وللناس أنها تشجع العلم وترعى معاهده. إن الذي أريد أن أقوله في هذا الصدد أن حركة الإصلاح بأوسع ما تتضمنه هذه الكلمة من معنى لم تتوقف يوما واحدا في الأمة الإسلامية، وعندما كانت الدول تنحرف عن صراط الله، أو تعجز عن القيام بمهامها، أو تشتغل بأمور أخرى بعيدة عن واجباتها، أو تستخذي لسلطان دولة أخرى فإن دبيب الحياة في الأمة يستمر، ورسالة الإصلاح لا تتوقف، والمؤمنون المخلصون يدأبون على ما عاهدوا الله عليه من جهاد في سبيله، وذود عن رسالته، وقيام بأمره. ولست أعني بهذا الحديث أن الدول المتعاقبة في تاريخ الإسلام لم تقدم للبشرية مثل ما قدمت الدول الأخرى أو أكثر أو أقل، فإن كثيرا من المشاريع الضخمة قامت بها دول يدين