الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٤٣٣

الإباضية في موكب التاريخ

431

الإباضية في ليبيا (2)

1 - فكم كان رائعا حين انطلق صوت المرأة المسلمة (1) من قسم النساء في مسجد غ بالمصلين يأمر الإمام بالتأخر؛ لأنه ليس أهلا لأن يصلي بالمسلمين، ويستجيب ذلك الإمام لصوت

الْحَقِّ الذي انطلق من فم امرأة في مسجد غاص بالرجال، فيتأخر ويتقدم من هو أولى.

وتقضي ظروف الحياة أن تلتقي هذه المرأة المؤمنة في مضيق من الطريق بهذا الرجل الذي آذته في الله، فتوجس في نفسها خيفة، وتخشى أن تلقى منه بعض ما تكره، ويحس الرجل بما

يعتمل في نفسها فيقول لها: امضي راشدة، لولاك لهلكنا، يسر الله لك سبل الْجَنَّة (2). لقد خفت صوت المراة بعد أمهات المؤمنين ومن تأدب بأدبهن في المساجد ومجامع الصلاح، وإن ارتفع في مجالس الغناء والشراب وفي المراقص والملاعب، وفي الشوارع والمكاتب، ولكن هذا المجتمع الذي يعمل بقاعدة الولاية والبراءة، ويرتفع فيه صوت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا تزال فيه المرأة تحتفظ بآداب الإسلام، لا تغرها المظاهر الخادعة من الحياة الزائفة،

ولا تزال المرأة تعمر المسجد، وتشترك في مجالس العلم من وراء حجاب وتصدع بالْحَقِّ. 2 - رجع أبو يوسف حجاج بن وفتين إلى بيته بعد نقاش طويل حاد في المؤامرة التي يدبرها خلف بن السمح لقلب نظام الحكم، وتكوين دولة جديدة تحت حكمه، وكان أبو يوسف يميل إلى مؤازرة هذا الزعيم الجديد، فلما أراد الدخول إلى داره ووضع رجله داخل العتبة، صاحت به زوجة المرأة المؤمنة التي تتمسك بالْحَقِّ وتتبعه قائلة: "إليك يا بائع دينه" (3)، و صدمت كلمة الْحَقِّ سَمع الرجل فوقف في مكانه لا يتقدم ولا يتأخر يوازن بين الموقفين، ويقارن بين المصيرين، وأطال الوقوف حَتَّى تبين له الْحَقِّ، وأدرك فداحة الجرم الذي كان مقدما عليه، وعرف صدق النصيحة في هذه الزوجة الوفية التي تحبه وتحب له الخير ولنفسها ولأولادها؛ وللأمة من ورائهم، فأعلن إذعانه للحق، وتوبته إلى الله، ورجوعه إلى صفوف المسلمين، وحينئذ انفتح له القلب الكبير الذي أحبه وغمره بالعطف والحنان، وهداه بالنصيحة

السديدة المخلصة.

(1) هي أم يحيى زوجة أبي ميمون صاحب المدرسة الشهيرة في أمسين.

(2) راجع السير، ص 233.

(3) راجع السير، ص 187