الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٤٣٤الإباضية في موكب التاريخ
432
الإباضية في ليبيا (2)
إن المرأة في ذلك العصر لم تكن أقل من الرجل علما وفقها في الدين، ومعرفة بأسرار الشريعة واستمساكا بالْحَقِّ.
3 - ارتحل أبو معبد الجناونِي إلى "قنطرارة تيجي" والتحق بمدرسة سعيد بن أبي يونس الطمزيني، ودرس حَتَّى ظن أنه بلغ الغاية عن العالم الكبير، وقفل راجعا إلى مدينته "جناون" فمر في طريقه بقرية "ندباس" هذه القرية التي تقع عَلَى الضفة الغربية لوادي الزرقاء الجميل، والتي تستقبل قبلة الشمس عند البزوغ كُلّ صباح، وتبعث بتحاياها الرقيقة إلى زميلتها "مزو" المقابلة لها على الضفة الشرقية من الوادي فوجد أمة تسقي الماء من صهريج خارج القرية، وكان قد بلغ منه الجهد والعطش، فاتجه إليها وطلب منها أن تسقيه فنظرت إليه في استنكار، وقالت له: "أتستخدم أموال الناس يا جاهل؟! (1).
وصدمه الجواب العنيف .. أبعد كفاحه الطويل في طلب العلم تعيره أمة بالجهل؟! ورجع إلى نفسه، وتاب إلى رشده، وأذعن للحق، وعرف أن دراسته نظرية بحته، وأنه في حاجة إلى مكانه ذلك إلى المعهد الذي كان يدرس به، فأقام فيه وأطال الإقامة حتّى
المزيد، ورجع من أصبح علما بين العلماء، ومرجعا للنبغاء.
إنَّه فضل المرأة التي تعرف حدود الدين ومنتهي الحقوق. وشبيه بهذا الموقف موقف بهلولة مع أبان:
مثلها علما وصلاحا، بن وسيم
- كانت بهلولة (2) امرأة عالمة صالحة، وكان أبو ذر أبان فكان يزورها يقتبس من علمها وخلقها، وتقتبس من علمه وخلقه، وأعجب بها فخطبها إلى وليها. وجاءها يوما فرحا مستبشرا فاستأذن فأذنت له وفتحت الباب وبادرها يخبرها أنه خطبها من وليها، وأن الولي وافق وعقد العقد، فأغلقت في وجهه الباب ثُمَّ قالت له: "كنت تدخل إلينا بأمانتك ففتحنا لك، والآن صرت مدعيا، فإن أتيت ببينة رضينا بك زوجا، وإلا فانصرف"، ثُمَّ قالت له: إنك أمين ولكنك احتجت إلى الأمناء، ولو كنت أبانا".
(1) راجع: السير، ص 242.
(2) راجع: السير، ص 217.